ثقافة وتعليم

علي رشم …. شاعر رسم آخر قصائده بدمه الطاهر في جرف النصر

علي رشم، شاعر امتلأت روحه جمالا ففاضت على قسمات وجهه الوسيم، فكان جميلا
بكل شيء حتى في توقيت رحيله الذي تزامن مع ذكرى دفن الجسد الطاهر للإمام
الحسين (ع) في الثالث عشر من محرم الحرام، وكأنه ابى الإ الرحيل مقترنا
بالحسين كما كان يتمنى دائما.

لم يعر علي رشم بالا لوسامته الطاغية وابداعه الشعري الذي فتح باب النجاح
أمامه على مصراعيه، ولم تثنه كل متع الدنيا التي ركعت امام قدميه، من
الالتحاق بركب المقاتلين، لاسيما بعد ان تيقن ان فوهة القصيدة لم تعد تكفي
لمواجهة أسراب الغربان التي جاءت من وراء الحدود لتدنيس الأرض التي طالما
تغنى بحبها في قصائده.

وقف علاوي كما يحلو لأصدقائه مناداته، متأملا ومخيرا نفسه بين العيش في ظل
الكلمة التي كان بارعا في صياغتها قلائد واوسمة على صدر الوطن الجريح،
والمشاركة في جبهات القتال جنديا ثائرا على همجية «داعش» الارهابي ومن يطبل
له، فاختار الملابس العسكرية زيا رسميا له رغم نصح الكثير من أصدقائه
المشفقين على ابداعه وشبابه من الرحيل مبكرا.

يقول صديقه نور التميمي الذي لم يستطع منع دموعه من الجريان فوق خديه: كان
علاوي انسانا بحق وعاشقا للوطن الى حد الثمالة، لم يستطع الوقوف على التل
والتفرج على ما يحدث للوطن الغالي على ايدي عصابات «داعش» الارهابية كما
يفعل الكثير من (شعراء) الفنادق، فانخرط في صفوف المقاتلين اعلاميا يوثق
انتصاراتهم وصولاتهم في بادئ الأمر.

يستمر نور التميمي بالحديث: لم يرض علاوي ان يسجل للمقاتلين وصاياهم فقط
ويوثقها على اشرطة الكاميرا ليعرضها على الناس عند رحيلهم مع قوافل النور
الى العالم الآخر، فرمى بالكاميرا جانبا وتوجه صوب آمرلي المحاصرة مقاتلا
شرسا ومقاوما ثابت الجنان وراسخ العزيمة.يستذكر نور قلقه البالغ على صديقه
في آمرلي حينما كانت الأنباء تتضارب بشأن قدرتها على الصبر والصمود
واجتياحها من قبل العصابات التكفيرية، وكيف كان يدعو بعبرات مكتومة لخلاص
المدينة واهلها من جهة وعودة صديقه الجميل مؤزرا بالنصر من جهة أخرى .
صديقه الذي سطر هناك اروع مواقف الصمود والشجاعة التي قلما تسنى لشاعر ان
يكتبها في مواقفه لا بشعره، وهذا ما تحقق فعلا حينما عاد (علاوي) بابتسامته
الجميلة ووجهه الوسيم، حاملا اكاليل النصر على رأسه وقبلات أهالي آمرلي
تتوج جبينه.

يستمر نور التميمي بالحديث وهو يتصفح صور الشهيد المخزنة في جهازه المحمول:
قلت لعلي الا تستريح من القتال وتنتبه لمستقبلك الدراسي قليلا، لاسيما انك
الآن في المرحلة الثانية اعلام، بيد انه هزني بكلمة لا يزال وقعها كبيرا
في قلبي، قال بلهجة عامية محببة: نور (ترة المراجل كروتها موت)، وتعني ان
(الرجولة اجرتها الموت)، يواصل نور حديثه والحزن يغلف قسمات وجهه: توجه علي
بعد النصر الكبير في آمرلي بصحبة اخوته المقاتلين الى جرف الصخر لمنع
الخطر الداهم الذي كان قريبا من بغداد والمراقد المقدسة وهو يردد :

(ما يجيسون الهوى المر بسماچ وما يمرونچ ولاحتى بحلم..

أمني يابغداد وتغطي بضواچ وشدي بيريه ونطاق على النجم..

قبّة الكاظم عليچ تصير فيت خوذه من چيلاتهم ماتنثلم..

السواتر والحرب تعرفنه زين طابعين جدامنه بخدهن وشم..

عدنا مثل العافية الطك والرصاص الدمه يصهل حافره يخضر زلم)..فكان ان سطر
علي رشم بدمه قصيدته الأخيرة في جرف الصخر الذي تحول الى جرف لنصره ومعراج
لروحه، حينما انفجرت عبوة ناسفة وهو منهمك بالقتال مستهدفة بدنه الطاهر
الذي نقل على اثرها الى مستشفى بابل .

يمسح نور التميمي دموعه بكفيه ويرفع طرفه نحو السماء قائلا: رحل علي في يوم
دفن الجسد الطاهر لحبيبه وإمامه الحسين (ع) تاركا مئات العاشقين خلفه، رحل
تاركا حبيبته التي كانت تعد الأيام لعودته، رحل ولم ينس ان يسطر كلمات
الشكر لوالدته التي صيرته رجلا حينما كتبت له (يمه يبرالك علي ويردك
بسلامة) فكتب على هامش الورقة (دعاؤك هو ذخيرتي التي لا تنفد، شكرا
لجنوبيتك وملوحتك، أنت من علمني معنى الإنسان، وكيف هو الحب والإيثار ومعنى
الصدق، أنت طهري وصلاتي وثباتي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى