حشد شعبي ضد الفساد
ولا شك أن عقودا وسنوات طويلة مضت، والعراقيون يغوصون في حروب لا حصر لها،
شغلتهم عن بناء بلدهم بطريقة تعكس حضارتهم وجذورهم العميقة، حتى بدأت مفردة
الإعمار تتردد في المحافل الخارجية والداخلية، بل بين ألسنة الناس صغارهم
وكبارهم، وهم يتطلعون الى العيش في بلد آمن ومعمَّر، فالجميع يتحدث عن
الإعمار بعد أن تعرضت مدن ومناطق كثيرة من العراق الى التدمير والتخريب،
بسبب تلك الحروب والإرهاب.
واليوم يخوض العراقيون معركة شرسة تدور رحاها فوق أرضهم، ضد الإرهاب القادم
من دول وأصقاع مختلفة، محتميا بحواضن معروفة، ساعدته على تخريب البلاد،
وقد حققت القوات العراقية بمختلف تشكيلاتها، انتصارات كبيرة ومبينة على هذا
التنظيم الخطير، وكان للحشد الشعبي دوره المتميز في هذا المجال، فقد بدأت
المناطق والمدن تلو المدن تتحرر من قبضة “داعش”، بفعل الضربات الماحقة
لقوات الجيش، والشرطة الاتحادية، والعشائر العراقية، فيما كان للحشد الشعبي
القدح المعلّى في هذا الجانب، فقد سطّرت تشكيلات وفصائل هذا الحشد اروع
وأقوى المواقف والصور في ساحات القتال، كما أثبتت ذلك النتائج القائمة على
الارض، إذ بدأت سلسلة الانتصارات بفك طوق الحصار عن (آمرلي) وتحريرها من
خلال معركة شرسة، كان للحشد الشعبي فيها الدور الأساس، تلا ذلك تحرير
محافظة ديالى وأقضيتها ونواحيها وقراها بالكامل.
ثم بدأت صفحة تحرير تكريت، التي أبلت فيها التشكيلات العراقية المختلفة
بلاءً حسنا، ولا شك أن الدور الحاسم في تحرير هذه المدينة من “داعش”، كان
لقوات الحشد الشعبي، الأمر الذي أصبحت فيه هذه التشكيلات محط إعجاب وتقدير
الجميع، ولا تزال الموصل والعديد من مدن الانبار ترزح تحت وطأة الدنس
الداعشي، بانتظار جحافل التحرير التي ستواصل صفحات القتال، مع انها لم
تتوقف إلا لإعادة التنظيم ثم الانطلاق مجددا لتحرير المدن والشروع
بإعمارها، كما حدث في الأماكن المحررة في تكريت، حيث الحملات الشعبية
والحكومية باشرت بتنظيف الطرق، وإعادة تشغيل شبكات الماء والصرف
الصحي والكهرباء، والمولدات المحلية والمدارس، لكي تعود الحياة الطبيعية الى المدينة.
ولكن جهود الإعمار المادية هذه، لا تشكل نهاية المطاف، فالحقيقة ان إعمار
النفوس في مرحلة ما بعد التحرير، يمثل الجهاد الاكبر بالنسبة للعراقيين،
وهو جهاد يتخذ طريقين أو جانبين، الأول هو جهاد ذو صفة فردية، حيث أن
الانسان الفرد مطالب بالجهاد الأكبر ضد نفسه وأهوائه، ورغباته الشخصية التي
قد تقوده الى مزالق انحراف كثيرة ومتنوعة، فيما لو خسر المعركة في جهاده
الاكبر ضد نفسه، لذلك فإن كل فرد عراقي، مهما كانت درجة وحجم مسؤولياته،
ينبغي أن ينتصر على نفسه في الجهاد الأكبر، بعد قيامه بدوره في الجهاد
الأصغر بمعارك التحرير.
وعندما يكون الإنسان في منصب حساس، تزداد صعوبة معركته المسماة بالجهاد
الأكبر ضد النفس بسبب مغريات المنصب، وإتاحة فرص الفساد له والنفوذ، اكبر
بكثير من أصحاب المناصب العادية او الأدنى، لذلك فالجميع يدخلون اليوم في
اختبار الجهاد الأكبر، لا سيما القادة من أصحاب المراكز الحساسة في الدولة
العراقية، لأن النصر ضد الارهاب
اذا لم يتبعه نصر على الفساد، فلا يمكن أن نقطف ثمار النصر على الارهاب،
وهذا يستدعي (حشدا شعبيا) من نوع آخر، مهمته هذه المرة مكافحة ارهاب من نوع
آخر لا يختلف عن ارهاب “داعش” بالنتيجة، وهو ارهاب الفساد بكل اشكاله
لاسيما المالي والاداري وصفقات الاختلاس وما شابه، نحن إذن بحاجة قصوى الى
(حشد شعبي) ضد الفساد، يجعل العراقيين يلمسون نصرهم على “داعش” لمس اليد،
من خلال إعمار المدن والنفوس في وقت واحد!.

