مقالات

«عاصفة الحزم» مستمرة بعنوان جديد

بقلم: حازم مبيضين
فجأة كما بدأت، أُعلن عن انتهاء “عاصفة الحزم” دون أن
تحقق أياً من أهدافها المُعلنة، بطرد الحوثيين من المدن وتجريدهم من
السلاح الذي استولوا عليه من مستودعات الجيش اليمني، وإعادة الرئيس هادي
إلى صنعاء أو عدن، وإطلاق حوار يمني ترعاه الرياض على أرضية المبادرة
الخليجية، غير أنها تمكنت حسب الناطق باسمها من تدمير ما نسبته أكثر من 90
بالمئة من الدفاعات الجوية والصواريخ ومراكز التحكم والقيادة والسيطرة.
لكن الواضح أن وقفها أو تغيير تسميتها كما اتضح لاحقاً، تم بعد ضغوط أميركية ونصائح
روسية، ومبادرات سياسية انطلقت من الجزائر وإيران وعُمان، وواكبتها ضغوط
دولية وإنسانية مارستها الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية،
نتيجة أعداد الضحايا المــدنيين وتدمير البنى التحـتية والصناعية
والتعليمية والصحية اليمنية، وتبع ذلك كله انفراط عقد الحلفاء والأشقاء،
الذين استنكفوا عن إرسال جيوشهم وقواتهم البرية، مُكتفين بالوساطة.
لم تضع الحرب في اليمن أوزارها بعد، لم تنهِ الحوثيين لكنها على ما يبدو
انهت دور “الرئيس الشرعي”، لصالح نائبه خالد بحاح، المأمول أن يقود حواراً
وطنياً جاداً، من دون تدخلات أو إملاءات خارجية، بهدف بناء نظام سياسي جديد
لليمن، لا يقصي أحداً ولا يهمش أياً من مكوناته، ويؤسس لدولة مدنية
ديمقراطية، يعزز الأمن والاستقرار، ولعل المبادرة العمانية تعينه على إنجاز
الخطوات الأولى في هذا المجال إن التزم الحوثيون بالتحول إلى حزب سياسي
ينبذ العنف وإن أوفت دول الخليج بتعهدها بإعادة إعمار اليمن تمهيدا لضمه
لمجلس التعاون الخليجي خلال خمس سنوات.
لكن السؤال الذي سيظل معلقاً هو: ما هو السبب الحقيقي للموقف السعودي وهل
هو ناجم عن التهديد الإيراني بتوسيع نطاق المواجهة؟ ما دفع الرياض للعودة
إلى ما كان عليه الوضع قبل العاصفة، مع الأخذ بالاعتبار نتائجها المتمثلة
بإضعاف قدرات الحوثيين وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، وتوظيف
هذا المتغير لفرض وقائع سياسية جديدة للمرحلة المقبلة.
غير أن المهم هو أن الفرقاء في اليمن ليسوا مستعدين بعد للدخول في حوار
سياسي، ووقف المواجهات الميدانية التي استمرت بعد الإعلان عن وقف
إطلاق النار، خصوصاً وأن الحوثيين اشترطوا وقف أعمال المقاومة الشعبية الجنوبية على الأرض قبل استئناف الحوار.
كان الموقف الأميركي واضحاً وإن جرى تغليفه بعبارات دبلوماسية فضفاضة،
فواشنطن دعت إيران للمساهمة بحل، وبألاّ تكون جزءاً من المشكلة، وأوباما
يرى ضرورة جمع كل اطراف النزاع حول الطاولة والتوصل إلى حل سياسي، وهو إن
كان أعلن أن إدارته بعثت رسائل مباشرة جداً إلى إيران، تحذرها من إرسال
أسلحة إلى اليمن قد تستخدم في تهديد الملاحة بالمنطقة، فإنه يؤيد المبادرة
العمانية التي لن تعلن دون التشاور مع طهران، باعتبارها مبادرة كاملة
الأركان تستهدف إنقاذ اليمن وإخراجه من أزمته وتحقيق
السلام الداخلي.
وتأخذ هذه المبادرة إيجابيتها من رفض عُمان المشاركة في عاصفة الحزم واتباع
السلطنة دائما سياسة خارجية مرنة ومتوازنة، ودورها المشهود في الوساطات
بملفات ساخنة، في مقدّمتها الملف النووي الإيراني.
يتفق الجميع على أن الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح لعب دوراً سلبياً،
وارتكب سلسلة من الأخطاء، متوهماً أن تفرده بالقرار سنوات طويلة يمنحه
القدرة على تجاوز كل الأزمات، وكان مدهشاً فقدانه التحكم بخيوط اللعبة.
وهو لم يكن صديقا دائما للحوثيين حيث خاض معهم ست حروب وعمل مع أعدائهم على
تحجيم نفوذهم وحصره، وتحالفه اليوم معهم شبيه بتحالفه مع الإصلاح سابقاً،
هو تحالف مصلحة ولا يعني دعماً للأيديولوجيا التي يدعون إليها، وهو اليوم
بعد تخلصه من خصمه هادي معتمداً على الحوثيين يحاول الابتعاد عنهم، ويعرض
إعادتهم إلى معاقلهم في صعدة، ليكون ممكنا له العودة إلى مركز السياسة.
طبعاً يرفض الحوثيون وهذا ما سيهزم مرة أخرى الرئيس المخلوع، ويُفشل
مغامرته للعودة إلى السلطة، وربما يُسرّع تنفيذ الدعوات لمحاكمته لجرائم
ارتكبها أثناء الثورة اليمنية، مع أن المبادرة الخليجية أعطته الحصانة من
المحاكمة، وسمحت له بالبقاء في اليمن لا الخروج منه.
حرصت واشنطن على عدم التورط مباشرة في القتال الدائر في اليمن، مع أن إيران
وحلفاءها يصرون على وصف ما يجري هناك بالعدوان الأميركي السعودي، وهذا أمر
تدحضه الوقائع، فأميركا مهتمة أكثر بهزيمة القاعدة في ظل مخاوف من أن تكون
المستفيد الأكبر من حرب اليمن، ذلك أن العمليات العسكرية والأمنية
الأميركية ضد القاعدة، توقفت منذ اندلاع الحرب، ويحظى الموقف الأميركي
بتأييد عواصم عربية شاركت في العاصفة، غير أن السعودية تتمسك حتى الآن
بإذعان الحوثيين وإعلانهم الاستسلام رغم أن العاصفة لم تحقق انتصارات تُفضي
إلى ذلك.
رغم استعار نار الحرب وارتفاع صــراخ التجييش فإن الحــراك الدبلوماسي مستمر .
فالقناعة مؤكدة أن لا حل عسكرياً لأزمة اليمن، وليس معقولاً استمرار حرب لا
أفق لها، وعُمان التي نأت بنفسها عنها مؤهلة لجمع الإخوة الأعداء، وهي
تقود وساطة تأخذ بالاعتبار مشاركة الحوثيين في السلطة، شرط الانسحاب من
المدن الجنوبية، فيما تُموّل السعودية إعادة الإعمار ، وليس سراً أن
اتفاقاً كهذا يصب في صالح الحوثيين، ويحفظ ماء وجه السعودية حال انسحاب
الحوثيين من عدن ومدن الجنوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى