رياض الغريب
أن تضع الحرب الضروس بين حقنا وباطلهم أوزارها، قبل أن يستكين الوجع
اليومي، وتسترخي حرقة الأعماق لما فعل الأوباش من تقتيل لأهلنا وتدمير
لآثارنا وزرعنا وعمراننا.
الشاعر رياض الغريب أحد هؤلاء المبدعين، في نصوصه الأخيرة المواكبة للحدث
الأشد ضراوة في تاريخنا المعاصر، الماثل في استكلاب الغرباء على اغتصاب
أراضينا في محاولات، ستبوء بالفشل والهزيمة حتما، للانقلاب على التداول
السلمي للسلطة والعودة بعقارب الساعة إلى الوراء .
آخر نصوص الغريب عنوانه “الطريق سالك للحياة”، الذي نشرته ثقافية “الصباح”،
السبت الماضي 18-4، نص يقشر الزخارف البلاغية، التي يعمد إليها كثير من
الشعراء ويحسبونها فتحا، وما هي إلا ما يزيد نصوصهم جفاءً مع القارئ،
واستغلاقا عليه، نص الغريب يريد أن يقبض على جمرة الواقع الغرائبي، ليس
هناك من نص إبداعي بإمكانه أن يتفوق على نص الواقع، انه نص مهشم لأي ثوابت
أو عقلانيات.النص المشار إليه مسكون بالوجع والمرارة حد الاختناق، حد
السخرية من لا مبالاتنا، من فرجتنا على ما يحدث، هناك مواطن يحرسنا، لنحلم
بغدٍ من دون مفخخات، بيومٍ هادئ جميل، لا تعكر صفوه خلايا تسمى نائمة،
لكنها يقظة مترعة بكؤوس الخيانة، خيانة الوطن والزاد والماء، .المواطن الذي
يخاطبه الغريب في نصه هو الشهيد، هو بالتأكيد الضمير الجمعي لكل شهدائنا،
فلنتمعن في صورة السخرية السوداء هذه: “نحن بخير/ لأنك هناك/ بجسدك العاري/
تستقبل كل الرصاص / الموجه لرؤوسنا/ في الليل/ تنام قلوبنا الغافلة/ تنام
اللحظة الهاربة/ لا ندري أي خيار ينتظرنا / أما / أنت فتعرف”.
ألا يجدر بنا أن نهب مع المقاتلين، بالكلام المقاوم، بالفعل الخير، بالتكاتف، بالابتعاد عن النبش في صغائر الأمور، ونبذ الكراهية؟
المواطن الأبدي يندفع للموت إكراما للحياة، للحب، لدرء الخطر عن المحبوب.
العشاق الشهداء، موضوعة عالمية، هذا النص إحياء محلي لها في حومة الحدث،
استحضار تفاصيل عشق مضمخة بالرسائل والورود: “تشم عطر الرسائل/ من مراهقة
في الحي/ تبعث الوردات سراً لنافذتها/ لم تكبر صدقني/ ستعود/ ما زلت تراهق
العشرين/ شمعة / لا تذوب/ في عيدك القادم/ قرب قبر رسمته لها في رسالتك
الأخيرة / هنا سنحتفل/ قلت لها/ بينما الرصاصة تأكل قبلك الصغير”.
نص الغريب لم يكن تعبوياً مباشراً، بل فيه من العناصر الجمالية ما يزيد هذا
النص المقاوم تأثيرا في المتلقي، جماليات تبلغ ذروتها في نزعة صوفية،
تتجسد بمناجاة الخالق، أن يمنحه الحياة الأخرى، التي وعد بها الشهداء،
الذين ضحوا بحياتهم الدنيا، بل حتى الحب الدنيوي – يناجي الرب- بأن يجد له
البديل الآخروي: “ابننا يعشق وردة / ازرع من عطر محبتك/ حقلا لأغانيه”.
أمانة وطنية وأخلاقية وثقافية أن نعضد الغريب ونظراءه، أن نجعل أبواب
الصفحة الثقافية مفتوحة لنصوص جمالية مقاومة، أي لن نتنازل عن الشروط
الإبداعية لها، فضلا عن أية مراجعات نقدية موضوعية لها، بما يكرس لأدب
مقاومة عراقي جديد في هذا القرن.


