مقالات

كفيل الأنبار وحصان طروادة

بقلم: محمد الكاظم
قضية النازحين تحتاج الى تعامل خاص يجب ان لا تطغى
فيه الهواجس الامنية على الحاجة الانسانية فأهل الأنبار في النهاية مواطنون
عراقيون على الدولة العراقية ان تتحمل مسؤولية حمايتهم والدفاع عنهم، ومن
حقهم الالتجاء الى اية مدينة أخرى للحفاظ على حياتهم، وفي الوقت نفسه يجب
ان لا تأخذنا المشاعر بعيدا لننسى مسؤولية حماية بغداد وبقية المحافظات من
اي خرق يمكن ان يتسبب به مندسون بين صفوف النازحين، خصوصا مع وجود تسريبات
تتحدث عن مخطط مخيف لاستغلال النزوح في تنفيذ خطة لإرباك الوضع الامني.
هناك صراع اخلاقي افرزته هذه الازمة بين الضمير والمسؤولية. ومن الواجب ان
يتعامل الجميع مع هذا الصراع بحكمة، وهذا التعامل الحكيم يشمل السلطات
الامنية والنازحين انفسهم.
فالتهاون في ضبط موجة النازحين السوريين وعدم الاهتمام بصناعة مجال حيوي
يمنع انعكاس الازمة السورية على الواقع العراقي حينما كانت في بداياتها،
صنع بيئة مناسبة مهدت لظهور ما سمي بساحات الاعتصام التي انتجت فيما بعد
تنظيم “داعش” الارهابي، بعد ان انتقلت تكتيكات واساليب القاعدة من سوريا
الى العراق. هذا الامتزاج مهد لإسقاط الحدود واعلان ما يسمى بـ”الدولة
الاسلامية في العراق والشام”.
الكثير من القيادات الامنية حاليا تحمل هواجس من تكرار هذا السيناريو الذي
صار يعرف بسيناريو حصان طروادة الذي يستهدف بغداد، وهو احتمال لا يجب ان
يستبعده عاقل. وهذا ما يجب ان يفهمه القادة والنازحون انفسهم كي لا يشعروا
بأن هناك من يرفضهم.اسوأ المواقف التي افرزتها ازمة نازحي الانبار هي
المواقف الشامتة، فلا شماتة في النزوح. هناك الكثير من المغلوب على امرهم
من البسطاء يقاسون اليوم هذه التجربة المرة، وفقد هؤلاء منازلهم وأملاكهم
ومصادر رزقهم وفروا بثيابهم، وليس من الرجولة التعامل مع النازحين بطريقة
غير لائقة، فهؤلاء عراقيون وبشر من حقهم ان يحافظوا على امنهم بالالتجاء
الى اماكن اخرى من بلدهم.
وعلى مدى نصف القرن الماضي عاش غالبية العراقيين تقريبا تجربة النزوح المرة
وغالبا بسبب الظروف الامنية والحروب. هناك موقف آخر يوازي موقف الشماتة
سوءا وهو موقف متشكك يتهم القوات الامنية بافتعال عرقلة وصول المدنيين الى
بغداد لأسباب طائفية، متناسين اننا نعيش في حرب شرسة وقد لا تعلم تلك
العوائل المهجرة ان ظروف النزوح والتعاطف الانساني معه يشكلان ارضا خصبة
يستغلها الارهاب لخلخلة أمن النازح والمنزوح إليه. وعلى الاخوة النازحين ان
يعلموا ان تنظيم “داعش” الذي يعيش لحظات احتضاره قد يستخدمهم كغطاء لضرب
الامن في بغداد او بقية المحافظات، وهم يعرفون تماما ان هذا التنظيم لا
تردعه قيم ولا اخلاق. هناك نصيحة اخرى للسياسيين العراقيين الذين يحاول
كثير منهم انتهاز الفرصة لصناعة رأي عام مضلل عبر محاولة بعضهم تحويل قضية
النزوح الى مزرعة اصوات انتخابية بطريقة سمجة تضيف اعباءً اضافية الى بلد
يحارب من أجل البقاء. نحن اليوم لانمتلك رفاهية الاختلاف السياسي، ولا
نمتلك ترف محاولة تسجيل نقاط على الخصوم او احراج الحكومة او القوات
الامنية، فالجميع مدعو لممارسة ما يستطيعه من دور لحل هذه الازمة بما لا
يخل بالأمن، ولا يحط من كرامة النازحين الذي عاشوا هذه الظروف العصيبة
نتيجة لحماقات ارتكبها اولئك السياسيون انفسهم. وأقولها نصيحة للساسة
العراقيين وهي ان عليهم ان يتركوا تقديرات المعالجات الامنية للمختصين، وان
لا يتدخلوا في الإجراءات الامنية، فالبرلمان العراقي ليس مكانا لوضع الخطط
الامنية بل ان مكانها هو غرف العمليات والقيادة العامة للقوات المسلحة،
والعسكر هم المسؤولون الفعليون عن ملف الامن وليس السادة النواب. وحاجات
الميدان وخبرة الجنرالات هي التي تفرض نوع وحجم الإجراءات الامنية، ولا
يفرضها طرح تلك الاجراءات للتصويت برفع الايدي ثم رفع التوصيات بها.
وعلى الاخوة النازحين من الانبار ان يعلموا انهم ليسوا في سفرة سياحية،
وعليهم ان يعذروا الآخرين على مخاوفهم ويجب ان يعلموا أن هذا الوضع مؤقت،
وان على رجالهم ان لا يستسلموا لحالة الشكوى والتذمر وانتظار ما تجود به
المؤسسات المعنية بالإغاثة، وأن لا يسمحوا للخطاب الطائفي السخيف ان يؤثر
فيهم من الطرفين، وهم مطالبون بتنظيم انفسهم فورا والعودة الى القتال مع
القوات الامنية وابناء الحشد الشعبي والعشائر لتحرير مدنهم ثم العودة الى
بيوتهم حتى يشاركوا اخوانهم فخر النصر والتحرير.
المواطنون في المدن الآمنة مطالبون ايضا بتقديم الدعم والمؤازرة لإخوانهم
النازحين وتوفير ما يحتاجونه. وعلى الحكومات المحلية في المحافظات القريبة –
تحديدا محافظة بغداد – ان تتولى مسؤولية رعاية الأسر النازحة وإنشاء
مخيمات مؤقتة لهم بأسرع وقت، وتخفيف الحمل عن محافظة الانبار التي يجب ان
تكثف قياداتها الرسمية والأمنية والعشائرية جهودها لدعم القوات الامنية
والعشائر الصامدة وتركز على تحطيم ما تبقى من تنظيم “داعش”، وعلى ساسة
العراق وخصوصا ابناء الانبار ان يشدوا من عزم ابناء المحافظة ومقاتلي الحشد
الشعبي والجيش والشرطة ورجال العشائر، وحثهم على محاربة “داعش” والمشاركة
معهم في هذا الواجب الاخلاقي، بدل الثرثرة الفارغة وتقصي المثالب والتشهير
بها، نحن جميعا كعراقيين نواجه خطرا واحدا والواجب ان نواجه هذا الخطر
بمسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى