ثقافة وتعليم

مدرسة الأداء الاستثنائي

قادر بيك”تلك الشخصية التي قدمها باداء استثنائي الفنان القدير الراحل (
خليل شوقي ) هي شخصية لايمكن نسيانها ليس لانها لم تكن مألوفة في الدراما
العراقية او العربية، بل لأن الشخصية حظيت بتجسيدات درامية حتى على المستوى
العالمي، خصوصا بعد ان قدمها مولير للمسرح لتحظى بعد ذلك بتنويعات عدة ،
فقد استخلص من هذه الشخصية اشتمالاتها الكوميدية او طابع انتاجها للشر او
المزيج بين الكوميديا والشر ، فالشخصية تحتمل مثل هذا التنويع والازدواجية
ولها مصاديق كثيرة في الواقع ، لذلك فان تقديمها في الدراما لا يشكل
استثناء يركن اليه ، لكن ما يشكل الاستثناء في هذه الشخصية هو اداؤها
بالكيفية التي قدمت فيها ، فالشخصية منبوذة اجتماعيا والممثل الذي يقوم
بتجسيدها سيغامر بخسارة جمهوره،خصوصا اذا اقترنت تلك الشخصية به واقتران
الشخصية بالممثل كان سائدا في اطار مدرسة ستانسلافسكي، وهي مدرسة التقمص
الكامل للشخصية وهذا النمط من الاداء كان سائدا في الاوساط الفنية وقد عمل
عليه القدير خليل شوقي في تجسيد شخصية البخيل قادر بيك في المسلسل العراقي
الشهير بجزئيه( الذئب والنسر وعيون المدينة ) ، لكن المفارقة تكمن في ان
خليل شوقي لم يترك ذلك الانطباع عند الجمهور في كراهية شخصه كممثل وانما
في كراهية الشخصية التي تقمصها بالكامل ، وتلك عبقرية استثنائية في ايصال
رسالة الفن التمثيلي .

سبق ان قدمت شخصية البخيل في الدراما العربية ، لكن ما حدث هو اقتران
الشخصية بالممثل ما ادى الى كراهيته من قبل جمهوره ، فعلى سبيل المثال قدمت
الممثلة القديرة ( زوزو ماضي الحكيم ) شخصية المرابية البخيلة في فيلم (
سونيا والمجنون ) المأخوذ عن الرواية الشهيرة ( الجريمة والعقاب)
لديستوفسكي ، ولان الممثلة تنتمي لمدرسة ستانسلافسكي فقد غلبت عليها
الشخصية وكانت سببا في انحسار نجوميتها، رغم انها بعد ذلك قدمت دورا مهما
في فيلم (الوحش داخل الانسان ) وهو دور الام الطيبة ، لكن شخصيتها الاولى
كانت مصاحبة لجميع اعمالها ، ولا يعني ذلك ان الممثلة فشلت في تقديم دورها
بل انها برعت به براعة استثنائية لكن الاشكالية تتعلق بدائرة التلقي وفي
الاحكام النقدية آنذاك وهذه الاشكالية تحتاج الى بحث مستقل .

المقارنة هنا تفيد ان الراحل خليل شوقي استطاع ان يتخطى اشكالية التلقي
السائدة آنذاك ، من خلال تقديم الشخصية بسياق مختلف يظهر بشاعتها لكن في
الوقت ذاته يظهر المكنون الانساني فيها وبتعابير وتلوين ادائي لا ينسى،
فمشاهد كثيرة في المسلسل قدمها شوقي كانت هي (ماستر سين ) او المشاهد
المؤثرة في المسلسل ولم تنافسها اي مشاهد اخرى على قوة تلك المشاهد كالتي
قدمها بدري حسون فريد او تلك التي قدمها مقداد عبد الرضا او طعمة التميمي،
وبذلك فان الفنان الراحل خليل شوقي فيما قدمه من شخصيات وليست شخصية قادر
بيك وحدها كان يؤسس لمدرسة اداء استثنائية تحتاج الى وقفات نقدية كثيرة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى