أدب وفن

دورة اللولب

في الفن لنا وسطاء ولنا مبدعون. تجتمع الآراء المختلفة على فائدة الوسطاء من الفن أكثر من الفائدة المادية للمبدعين. هذه مسألة أولى.

المسألة الثانية: ان للفنان نتاجاً مُعْلَنا ومعروفاً أثناء حياته ونتاجاً لا يظهر ويُعرف إلا بعد وفاته.

وفي السياسة، يعمل مفكرون سياسيون ورجال علم في المجتمعات وشؤونها. تُحوَّل بحوث هؤلاء ونظرياتهم إلى خرائط وخطط ومشاريع يوظفها تجار السياسة، أقطاباً وعسكريين وحكاماً وأصحاب مؤسسات لما يفيدهم وهؤلاء فوائدهم أكبر كثيراً من فائدة أي مفكر سياسي وعالم اجتماع. بل، على العكس، قد يصادر المنتفعون حياة أولاء وقليلاً ما يسلمون من شرهم.

وإذ يحول أولئك المخططون تلك الأفكار السياسية وبحوث الاجتماع الدقيقة إلى مشاريع، فهم يستعملون مفردات بعضها لخلق أزمات آنية تمهّد للقادم ويدخرون بعضها لما بعد الحصاد الأول. قسمٌ آخر نرى نتائجه بعد سنين من “موت المؤلف” ..

الإشكالات الاثنية للشعوب، المذهبية والعرقية، مواد خام للصناعات الجهنمية. هي توفر وسائل ومناسبات يفيد منها مشعلو الحرائق. وهذه الشرور القديمة قد تزرَق بأسباب حضرية فتصبح مرتكزات ملائمة لتنفيذ ما رُسِم من خطط بمراحلها الثلاث: اليوم وغدا وبعد غد. (المعاهد) المتخصصة تدرس وتقدم التقارير.

نعم، تتطور المدن وتتسع في الدول الضحايا وتدخل الدولة عضواً في الأمم المتحدة، ولكن تدخل بمشاكلها الأولى التي صارت الآن أكثر فعلاً ومؤهلة أكثر للاستغلال وصار لها أقطاب وللأقطاب في “الجهات” صلات.

وهكذا ما دامت الخلافات المذهبية مسلحة والعرقية مسلحة والفكرية مسلحة والبدائية وروح الإقطاع تجري في دماء زعمائها وهي راسخة في الأدمغة المتنفذة، إذن لا تقدم! إذن لا حلول للازمات ! والانهيارات لا تفاجئ أحداً!

ولأن هذه كلها وراءها مصالح، نفوذ، زعامات، عمالة، صفقات…، إذن صارت حاجة وجود وثمة من يريدها ويتمسك بها. وكلما أوشك التقدم المدني والثقافي أن يطفئها، جاءت القوى السياسية، والمذهبية والإقطاعية ومنظّمي الصفقات، بالوقود الذي يعيد قواها فتعود الدوامة الجهنمية. وهكذا يتراجع التقدم الذي حصل وثانيةً تُدمَّر الشوارع والمصانع ونفوس الناس والمنشآت، جسوراً وسداداً، ليعود من بعد البناء والتسليح وإصلاح المنشآت والطرق والمدارس، وصعبٌ جدا إعادة النفوس إلى ما كانت عليه قبل الدمار..

هي دورة اللولب. ما تسلمناه من عوائد النفط اشترينا به سلاحاً ومصانع وشيدنا به وأقمنا مباني ومنشآت. ثم اشترينا ما يدمر هذه كلها ثم نشتري لنعيد وهكذا يستعيدون من الشعوب ما دفعوه لها من عائدات.

بهذا الأسلوب الشيطاني تظل الشعوب تدور في أماكنها وتظل الاحترابات ويظل هدر المال. ندري أو لاندري هم يستردون ما أعطوه لنا وكل جدوانا احترابات أبناء الشعب ودمار البلدان وخسارة الحياة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى