أدب وفن

المسرح يدحض الصورة المشوهة للإسلام

إن أغلب المقاربات التي تسعى للكشف عن علاقة المسرح العربي بالإسلام، أو
تلك التي تبحث في موقف الإسلام من المسرح تأتي من مؤسسات أو أفراد يتبنون
رؤى يقيسون بها كل الظواهر المجتمعية،

 بهدف منحها أو عدم منحها
مشروعية الوجود، وأود هنا أن أقارن بين مفاهيم كثيرة تختلط على الذهن عندما
نتأمل في العلامة بين المسرح والإسلام، وهذا الخلط يعود إلى غياب تحديدات
قاطعة لهذه المفاهيم .ثمة فروقات جوهرية بين تعبير “رؤى إسلامية في المسرح
العربي” وتعبير “مسرح إسلامي”، وثمة نقاط التقاء هنا وهناك بينهما، فمن
الفروقات الجوهرية أن جملة “رؤى إسلامية في المسرح العربي” ذات حمولة
معرفية وثقافية وحضارية ودينية كبيرة تشي فيما تشي به بعالمية الإسلام
ومقدرته على الحوار مع الآخر من خلال ما أنجزه من حضارة أثرت وتأثرت
ومازالت تؤثر وتتأثر في الحضارات وبالحضارات الأخرى، خاصة في مجال الثقافة
والفنون، يقول كلود كاهن “الفن هو الميدان الذي سجل فيه الإسلام أرفع تفوق
له في تاريخه كله، وهو الميدان الأكثر تشويقاً واجتذاباً لأبناء الحضارات
جميعاً، فيه ولا ريب تنوع واسع واختلاف كبير وله فترات ازدهار وانحسار، لكن
ذلك كله لا يلغي الطابع العام الذي يميزه ويختص به وحده”، “كتاب الإسلام
منذ نشوئه حتى ظهور السلطنة العثمانية”، بينما جملة “مسرح إسلامي”، ووفقاً
للأساس النظري الذي تقوم عليه تشي بما يشبه المفاصلة ليس مع الآخر المختلف
عقائدياً وإنما حتى مع من يشاركهم العقيدة، فهي لا ترى في المسرح العربي أي
تعبير عن الإسلام .ومن هذه الفروقات أيضاً أن جملة “رؤى إسلامية في المسرح
العربي”، ومن خلال كلمة العربي تتسع لتشمل غير المسلمين من المسيحيين
وأصحاب الديانات الأخرى الذين قدموا إسهامات نوعية وجذرية في نشأة وتطور
المسرح العربي، ولا غرابة، فالمسرح هنا مثل مكونات الحضارة الإسلامية
الأخرى كالترجمة والعلوم التي لا يخفى على أحد دور غير المسلمين فيها،
فعالمية الإسلام واتساع رقعته الجغرافية وقيامه على قاعدة صلبة من التسامح
جعل كل هذا ممكناً . يرى هانس كونغ، وهو مسيحي وعالم لاهوت شهير، ويعد من
أقوى المؤمنين بحوار الأديان، أن القرآن الكريم ينص في تعاليمه “على نبذ
ثقافة العنف واحترام الحياة”، كتاب “الإسلام رمز الأمل”، وفي المقابل نجد
أن جملة “مسرح إسلامي” تضيق عن هذا التسامح وعن هذا الاتساع، فهي كما أشرنا
تحاول أن تخلق مسرحاً يرى أن المسرح الموجود لا يعبّر عن الإسلام، ومن
الفروقات الجوهرية أيضاً أن جملة “رؤى إسلامية في المسرح العربي” تكشف عن
دور للمسرح يتجاوز النزعة التعليمية والنزوع الترفيهي وإن كان لا يهمل
مقاربة هموم كونية وفلسفية ووجودية، ويشهد على هذا سفر المسرح العربي
حديثاً وقديماً .
ونستطيع أن نذكر هنا مسرحيات مثل “مأساة الحلاج”
و”الحسين شهيداً” و”الحسين ثائراً”، ونذكر كتّاباً من أمثال سعد الله ونوس
وتوفيق الحكيم وغيرهما، بينما المسرح الإسلامي لا يتعدى النزوع التعليمي،
فهو مسرح صمم أصلاً ليكون أداة لنشر الدعوة، لذلك نلاحظ أنه لا ينشغل
كثيراً بأي أسئلة وجودية أو فكرية أو فلسفية، فعلى سبيل المثال يرى دكتور
سعد أبو الرضا “أن التدافع – الصراع – في المسرح الإسلامي صراع بين البشر،
وهو تنافس في مجال الخير والأعمال الصالحة وليس صراعاً أسطورياً، كما في
المسرح اليوناني الذي يقوم على الأساطير، والصراع بين البشر والآلهة”
.يمكننا السير في مسارين بحثاً أو تلمساً لرؤى إسلامية في المسرح العربي،
وليكن المسار الأول ما يعرف بحوار الحضارات وموقع الإسلام من هذا الحوار،
وما نستطيع قوله هنا هو أن المسرح العربي وبما أنه نتاج للحوار الحضاري
يستطيع بما يمتلكه من خبرة أن يسهم في إعادة إنتاج حكايات ورموز وقيم
الثقافة الإسلامية، ليعمل على تعديل الصورة التي كونت عن الإسلام بفعل
العلاقات الإمبريالية والصهيونية والمشاريع التكفيرية التي لا تؤمن بالآخر
وتتخذ من القتل والإرهاب وسيلة للتعبير عن الإسلام، يستطيع المسرح هنا
وبحكم طبيعته وبحسبانه فن الحوار بلا منازع وبخبرته في التعاطي مع الآخر أن
يقدم الإسلام بوجهه المتسامح وسموه الروحي العظيم، فإذا كان المسرح ذات
يوم وفي مواجهة الغرب الاستعماري قد استلهم حكايات الثقافة الإسلامية في
المقاومة ورموز الإسلام في المقاومة، مثل صلاح الدين الأيوبي والمهدي
السوداني وغيرهما، يستطيع اليوم وفي هذا الظرف الحرج الذي يعيشه الإسلام
ويعيشه العالم الذي بات يعبّر عن حاجة ماسة للحوار، يستطيع المسرح بما أنه
فن عالمي ونتاج شرعي لتلاقح حضاري أسهمت فيه كل الحضارات الإنسانية في
الغرب والشرق والجنوب والشمال بأديانها وأساطيرها وحكاياتها وفنونها
الأدائية، يستطيع أن يكشف عن أبعاد هذا الدين العظيم وهذه الحضارة المتنوعة
وعن إمكاناتها العظيمة في القيم والأخلاق العالمية .أما المسار الثاني،
فنرى فيه ضرورة أن ينهض المسرح العربي أو المسارح العربية بمهمة التنوير
والإسهام فيما يمكن أن نسميه بالإصلاح، فالمسرح العربي ومن خلال خبرته
الكبيرة في القضايا المجتمعية كالدعوة إلى التعليم وإلى مكافحة العادات
الضارة وإلى التبصير بالحقوق والكرامة وإلى نبذ الطائفية، يستطيع أن يدعو
أيضاً إلى احترام العقل، وأن يحرض على ضرورة الحوار، وأن يكرس لثقافة
المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام حقوق النساء وحقوق الأقليات
وحرية المعتقد، يستطيع المسرح أن يطرح كل هذه الأسئلة، وأن، يقاربها بمنطقه
وأشكاله المتنوعة، بأي لغة وفي أي مكان، وفي أي زمان، هذه الأسئلة وهذه
القيم التي يحملها الإسلام ويعبّر عنها وتشكّل في الوقت نفسه قيماً عالمية
هي التي ستسهم في أن يستعيد الإسلام ثراءه وتسامحه، وأن تستعيد الحضارة
العربية الإسلامية دورها الرائد كواحدة من حضارات العالم الكبرى، فهل نحن
فاعلون ووتيرة الزمن الداعشي يزداد إيقاعها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى