مقالات

قانون الأحزاب والأزمات السبع 2-1

بقلم: حسين درويش العادلي
 يواجه مجلس النواب استحقاق إقرار قانون
الأحزاب في الأيام المقبلة، ومع حلول هذا الاستحقاق التأسيسي تبرز الحاجة
الى تحرر القانون من سبع أزمات لضمان نشوء حياة سياسية سليمة، والأزمات هي:
أزمة الراهنية، أزمة المعيار، أزمة المدنية، أزمة المؤسسة، أزمة الإبتلاع،
أزمة التضامن، وأزمة الولاء.

الأحزاب نواة الحياة السياسية

لا حياة سياسية حقيقية دونما أحزاب سياسية كونها النواة الصلبة للحياة
السياسية في الدولة الحديثة، على أساس أنَّ الحزب وحدة سياسية/مدنية تستهدف
الوصول إلى السلطة وإدارتها وفق برنامج سياسي واضح ومعلن، فالحزب الفائز
بالانتخابات إنما يقوم بممارسة الحكم على أرضية برامجه المعلنة والحائزة
على رضا الجماهير المُستحصَل بالانتخابات الحُرّة والنزيهة والمباشرة.
في الدول الديمقراطية المؤسسية تضمن الدولة التأسيس للقواعد السليمة والأسس
الصحيحة للعمل السياسي الحزبي وذلك لضمان نشوء حياة سياسية صحية، ولضمان
سلامة الإدارة التداولية للحكم، ولضمان الوصول السلمي للسلطة، على أساس من
ضمان واحترام الحقوق السياسية والمدنية وصيانتها لجميع مواطني الدولة،
ولضمان إجراء المساواة بين جميع الأحزاب السياسية أمام القانون بغض النظر
عن هويتها الفكرية وبرامجها السياسية ومشاريعها العامة شريطة ألاّ تتعارض
مع الأنظمة والقوانين المرعية.

الأحزاب ومركّب الدولة الوطنية المدنية

لا يمكن الحديث عن الأحزاب بمعزل عن فكرة الدولة الحديثة، فلا أحزاب في
نموذج الدول الأبوية الثيوقراطية أو الملكية، ولا يمكن الحديث عن أحزاب
حقيقية كقوى سياسة/سلطة بمعزل عن الدولة الديمقراطية المدنية، فلا أحزاب
حقيقية في نموذج الدولة الدكتاتورية أو الشمولية.
الحديث عن الأحزاب كقوى دولة يصح فقط وفقط في نموذج الدولة الديمقراطية
المدنية، ففكرة الدولة هنا تقوم على (الدستور/القانون/المؤسسة) المستندة
الى معادلة (الأمّة/السلطة/الثروة) والمُنتجَة وفق مركّب
(الخصوصية/العدالة/المصلحة) على وفق قواعد (المواطنة/
الديمقراطية/المدنية). لضمان قيام أحزاب وفق هذا المركّب تشترط الدولة
الوطنية المدنية:
– عدم الدمج بين الدولة والحكم، فمساحة عمل الأحزاب إدارة الحكم وفق برنامج معلن بعيداً عن ابتلاع الدولة.
– تبني الأحزاب للفكر والممارسة الديمقراطية على أُسس الانفتاح والتعددية
وقبول الآخر والنقد البنّاء والتجدد المستمر، واعتماد الحوار والعمل السلمي
والمعارضة الإيجابية في جميع الأنشطة الخاصة والعامة.
– قيام الحزب على أساس سياسي مدني صرف، بعيداً عن أشكال الأحزاب العرقية
والمذهبية والإثنية التي تتنافى وجوهر دولة المواطنة المدنية.
– الاحترام والتقيّد بالدستور والقوانين النافذة المُنظِّمة لعمل الدولة
والسلطة والمجتمع، بما في ذلك القبول بنتائج الاقتراع، والامتناع عن فرض
إيديولوجيا الحزب على الدولة في حالة وصوله إلى السلطة.
– وطنية الأُطر الحزبية في الإنتماء والولاء والعمل والمصلحة بعيداً عن أي
ارتباط خارجي يصادر استقلاليتها وولائها الوطني وينتهك السيادة الوطنية.

قانون الأحزاب

توجب الدولة المدنية الديمقراطية سن قانون أحزاب، فلا يمكن تصور حياة
سياسية مسؤولة دونما إطار قانوني ينظم عمل الأحزاب السياسية. إنّ قانون
الأحزاب هو الإطار القانوني الذي تعتمده الدولة لتنظيم الحياة السياسية.
قانون الأحزاب، هو القانون الذي يمنح الأحزاب الترخيص بالعمل ويُمارس
الإشراف والرقابة عليها ويُحدد آليات تشكيلها ويُنظم الإطار العام للمباديء
العامة الواجب التمسّك بها حفاظاً على وحدة وسلامة واستقرار الدولة
والمجتمع. ويُحدد القانون أيضاً طُرق تسجيل الأحزاب وحقوقها وواجباتها
وتمويلها ويُبين أيضاً قواعد المنع والحظر المرحلي أو الدائم لعمل الأحزاب
وفق أنظمة قانونية واضحة ومُحددة.

أرضية قانون الأحزاب

وفق النظام الديمقراطي للدولة، تقوم أرضية سن قانون الأحزاب على:
– حقوق الإنسان الضامنة لحرياته الأساس في الرأي والضمير والإنتماء.
– حق المواطنين في العمل الجماعي بصيغه المختلفة وبالذات حق تشكيل الأحزاب
والجمعيات والتكتلات السياسية ضمن الضوابط الدستورية والقانونية.
– حق التعددية السياسية الضامنة لعدم الاحتكار للحياة السياسية تحت أي مُدعى كان.
– حق أي تنظيم سياسي الوصول إلى السلطة.
– حق العمل السياسي العلني والسلمي الضامن لعدم نشوء حياة سياسية سرية تربك النظام والاستقرار العام.
– حق قيام مجتمع مدني سياسي فاعل من خلال جاهزية وفاعلية مؤسساته المتنوعة ومنها المؤسسات الحزبية.
– حق ضبط النظام العام للدولة من خلال تنظيم أُطر العمل السياسي، فيجب أن يكون للدولة دور علني وواضح ومعروف تجاه نشاط الأحزاب.
– حق الدولة في حفظ الأمن والتعايش والانسجام الوطني من خلال منع نشوء وعمل
التكتلات السياسية القائمة على الأُطر والولاءات الضيّقة أو التي تهدد
السلم والسيادة الوطنية.

ابتلاع الأحزاب للدولة

تبتلى الدول بظاهرة ابتلاع الأحزاب لها، لتتحول إلى دولة الحزب الواحد، أو
دولة الأحزاب، لا أحزاب الدولة. وقد تستغل شرعيات زائفة كالشرعية الثورية
والتأريخية أو حتى الشرعيات الحقة كالشرعية الديمقراطية والتمثيلية لتحقيق
أهدافها الابتلاعية، على النقيض من أحزاب الدولة التي تؤسس كيانها وأنظمتها
وسياساتها على المواطنة والديمقراطية والتعددية وما تنتجها من أنظمة
دستورية وقانونية ومؤسساتية وحياة سياسية صحية تؤمّن البناء السليم
والمتوازن للدولة. لقد رأينا كيف تم ابتلاع الدولة حزبياً في العديد من
تجارب الدول، فقد استخدمت الشرعية الثورية –باسم القضية الفلسطينية وقضايا
التحرر- في ابتلاع الدولة كما في تجربة حزب البعث الذي جاء إلى السلطة من
خلال انقلاب عسكري ولم يخرج من السلطة إلاّ بنحر الدولة،.. ورأينا كيف تم
استغلال الشرعية الثورية والتأريخية في ابتلاع الدولة كما في تجربة الأحزاب
اليسارية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية والتي لم تغادر سدة الحكم
إلاّ بثورات جماهيرية حررت الدولة من ظاهرة الابتلاع الحزبي… ورأينا كيف
تم استغلال حتى الشرعية الديمقراطية التمثيلية في ابتلاع الدولة ونحرها كما
في تجربة الحزب النازي الألماني. والدرس المستفاد هنا، هو أن ظاهرة ابتلاع
الأحزاب للدولة ظاهرة يمكنها أن تعتاش وتنمو في ظل ظروف سياسية مختلفة،
فيما تؤدي إلى ذات النتائج الكارثية.
تزداد ظاهرة ابتلاع الأحزاب للدولة في الدول حديثة التكوين، وتلك التي تعيش
مخلفات الإستبداد السياسي والفوضى الاجتماعية والتخلف الإقتصادي والركود
الثقافي،.. فمن أكبر الكوارث التي قد تمنى بها كارثة الابتلاع الحزبي
لمشروعها الإنساني والوطني، فتعيد إنتاج انظمة التحكم والسيطرة والقولبة
التي تبتلع المجتمع والسلطة والدولة وتنتج على وفق قياسات ومقاسات الحزب
القائد أو أحزاب الضرورة، لتبرز ظاهرة تحزّب الدولة وتجييرها وابتلاعها،
بما يقضي عليها ككيان أمّة بتنوع مكوناتها وقواها السياسية والمجتمعية،
ويصادر حياديتها وأبوّيتها واللذين هما شرطان أساسيان لإستقلالية شخصيتها
المعنوية والقانونية، ولازمان ثابتان لشرعية تمثيلها للكل الوطني المنضوي
تحت خيمتها. إنّ دائرة الحزب يجب أن تشتغل من خلال السلطة لا الدولة، على
أساس من مبادئ التداولية السلمية وخضوعها لمؤسسات الدولة الدستورية
والقانونية، وأي تمدد لرقعة الحزب على حساب الدولة ومؤسساتها وهيئاتها
سيقضي على مشروع الدولة.

كيف يبتلع الحزب الدولة؟

تبتلع الأحزاب الدولة مرة بالإنقلاب على السلطة ليتم تعطيل المؤسسات
الدستورية والسياسية والانفراد بالقرار الوطني، ومرة من خلال شرعية الفوز
الانتخابي ليتمدد الحزب رويداً رويداً خارج حدود السلطة فيسيطر على مؤسسات
الدولة وهيئاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية ليطبعها بفكره
وسياساته، ومرة عندما تقع الدولة أسيرة الرؤى والثقافات والبرامج الخاطئة
لحزب بدائي لا يميز بين ما هو دولة ثابتة بمؤسساتها الدستورية وثوابتها
الديمقراطية وبين ما هو سلطة تداولية متحركة، ومرة عندما يشيئ أمة الدولة
من خلال اعتماد الحزب لمعايير الطائفة والعرق والإثنية على حساب المواطنة،
وعندما يفشل في إدارة السلطة وفق أنظمة التخصص والمساءلة والشفافية بسبب
تقليديته، ويعجز عن تحقيق الأمن والاستقرار والرفاه بسبب عجز برامجه..
فيتداعى المجتمع وتنهار الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى