الاخبار

الشمول المالي في العراق.. سلاح ذو حدين بوجه الفساد وأمن المواطن

الكاتب : محمد الجاسم

تمثل استراتيجيات الشمول المالي والتحول الرقمي اليوم أحد أبرز الأسلحة السيادية التي تعتمد عليها الدولة والبنك المركزي العراقي لاستئصال أورام الفساد الإداري والمالي وتجفيف منابع البيروقراطية. إلا أن هذا الصعود التقني يحمل في طياته طبيعة “السلاح ذي الحدين”؛ فبقدر قدرته على دك معاقل الفساد، يمكن أن يرتد سلباً على أمن المواطن المالي إذا لم يرافقه وعي معرفي كافٍ.
وتكمن قوة هذا السلاح في قدرته على إنهاء المعاملات النقدية الورقية (الكاش) التي يزدهر الفساد في ظلها، وذلك من خلال ثلاثة محاور: إلغاء التماس المباشر بين المواطن والموظف مما يصفر فرص الابتزاز والرشوة، واعتماد “الأثر الرقمي” الذي يتيح للجهات الرقابية تتبع حركة الأموال وكشف غسيل الأموال، فضلاً عن تنظيف جسد الدولة من الوظائف الوهمية (الفضائيين) عبر مشروع توطين الرواتب المربوط بالبيانات البايومترية.
وعلى الجانب الآخر، تبرز خطورة هذا السلاح عند الاندفاع نحو الرقمنة في مجتمع يواجه فجوة في الوعي المالي والرقمي؛ حيث يتحول الاختراق من الأنظمة المحصنة إلى استهداف الأفراد عبر “الهندسة الاجتماعية” والاحتيال الهاتفي لسرقة مدخراتهم. كما يبرز خطر ظهور “سماسرة التكنولوجيا” الذين يستغلون جهل البعض بالتطبيقات لابتزازهم مالياً، والأخطر من ذلك هو اهتزاز ثقة المواطن بالمنظومة المصرفية عند تعرضه لأي خرق، مما يدفعه للارتداد نحو الاكتناز المنزلي وهدم جهود الشمول المالي.
إن نجاح هذه المعركة المصيرية يتطلب استثماراً حقيقياً في الوعي البشري يوازي التطور التقني. نحن بحاجة إلى حملات تثقيف مالي شاملة تقودها الجهات الرسمية بالتعاون مع الرابطات المصرفية والمؤسسات التعليمية، لضمان بناء درع من الوعي يحمي المواطن، ويضمن توجيه هذا السلاح الرقمي بدقة نحو اقتلاع الفساد دون أن يشكل خطراً على الاستقرار المالي للأفراد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى