ثقافة وتعليم

الصحافة والقصة منحتاني أسلوباً جديداً في بناء سردياتي

 لم يكن الكاتب البصري أحمد إبراهيم السعد يتوقع المفاجأة التي خبأتها له أواخر العام 2014، فبعدما أصدر ثلاث مجموعات قصصية، وكتب العديد من الدراسات النقدية حول أعمال روائية وقصصية، أعلنت لجنة جائزة الدولة للإبداع التابعة لوزارة الثقافة فوزه بجائزة الدولة في مجال الرواية عن عمله الروائي الأول (وهن الحكايات)، وهي الرواية التي أكد أغلب من قرأها وكتب عنها أنها عمل جدير بالقراءة والمتابعة.
معايير
في كل جائزة تعطى لعمل ما، يكون للجنة رأي موضحة فيه الأسباب التي جعلتها ترشح هذا العمل أو ذاك، ومع هذا فالسعد يشير إلى أنه لا يمكن بحال التأكد من المعايير التي تبنتها لجنة جائزة الدولة للإبداع في مجال الروايـة في تقييمها لروايتـه الفائـزة بالجائـزة.. 

مضيفاً في حديث “: “لكن يمكن التخمين بأنها تعاملت مع الروايات الداخلة في مجال المنافسة الإبداعية وفق أصول ومعايير فنية وجمالية وتقنية وموضوعية، واتفاق اللجنة غير الخاضع لمزاج تلق فردي يبين أن لهذه اللجنة اعتبارات ثقافية ومرجعية أصيلة في تقييم ما وجدته مناسباً لمنح شرف كلمة (إبداع) لعمل روائي هو الأول لكاتبه”. ويبين السعد أن مشاركته في هذه المسابقة جاء عن طريق المكتب الفرعي في البصرة التابع لوزارة الثقافة “مما يمنحني سعادة حقيقية، واعتزازا يشوبه التفاخر الكبير في اللجنة القائمة على ترشيحي للفوز، كونها تعاملت مع المنتج الأدبي بروح القيمة الإبداعية فحسب”.

عمل السعد لسنوات طويلة في مجال الصحافة، فضلاً عن كتابته للقصة القصيرة، فمنحه الاثنان معاً أسلوباً جديداً في بناء سردياته، قائلاً.. ان عمله في الصحافة لسنوات، وكتابته للقصة القصيرة، وإصداره لأكثر من مجموعة قصصية فاز الكثير منها بمسابقات عراقية وعربية وترجم بعضها إلى لغات أجنبية، أسس أرضية شروعه لكتابة الروية (وهن الحكايات)، “الأمر الذي جعلني أدرك حينها أهمية أن يتشتت العقل بين كتابة صحفية خبرية، وبناء كتابة لغوية سردية قصصية ليتمخض عن ذلك انضباط لغوي يقود العمل الروائي، ويختبر مهارات جديدة في بناء عوالم لن تخذلك بحال ما دمت القائد الذي ذاق طعم حرب الكتـابة فـي جبهات اللغة”. وحسب تصور السعد فإن من يباشر بكتابة رواية بعد تجارب قصصية كثيرة سيدرك الفارق في أنظمة التمثيل اللغوي، إذ إن الرواية هي الأكثر تشكيلاً في إعادة المرجعيات الواقعية والثقافية وإدراجها في السياقات النصية.

تقنيات الرواية

أما عن التقنيات التي اشتغل عليها في روايته، فيشير إلى أنه هناك خللا في الوعي الإبداعي والثقافي عندما يُخضع الكاتب مشروعه النصي لتقنية قد خبرها، فالتقنيات السردية نتاج غير مدرك مفاهيمياً عند منتج العمل الإبداعي، لكنها من اشتراطات النقد ونظرياته التي يؤسسها الإبداع، ومع ذلك “فإن روايتي كانت مهتمة ببنية الحكاية، لكن وبعد اكتملت كعمل مقروء يمكنني توصيفها وفق

كشوف الدراسات النقدية المتخصصة، وبحسب الدكتور (عبد الله إبراهيم) في موسوعة السرد العربي، فهي لا تنتمي كتقنية إلى السرد الشفاف الذي يختفي فيه الراوي وراء الأحداث، ويتوارى إلى أقصى حد ممكن لصالح الحكاية، كذلك لا تنتمي روايتي إلى تقنية السرد الكثيف حينما ينتحل المؤلف دور الراوي أو يختبئ خلفه، ويدخل وسيطاً بين الشخصيات، والأحداث المتخيلة، والمتلقي. 

إنه عمل مزدوج الانتماء، فمن جهة خصوصيته يتصل بما هو خارج النص، لكنه من جهة دوره كائن نصي”.

ويختم السعد حديثه عن تقنيات روايته، بأنها استثمرت معطيات عالمين: العالم الذي يقوم السرد بتمثيله، والعالم السردي التخيلي.

استثمار الوثيقة
كان اشتغال السرد في “وهن الحكايات” على الوثيقة التي استثمرها في الدخول إلى عالم الحكي، لكن سؤالنا كان عن كيفيـة معالجتـه موضوع الوثيقـة؟ وكيف أدخل الحقيقة في عالم متخيـل؟

وعن هذا يعتقد أن الأسلوب في كتابة رواية يشبه إلى حد ما الـ(7) دقائق الأولى من مشاهدة فيلم سينمائي.. أن تكون أنيقاً، ومدهشاً، ومتواضعاً، وساحراً.. فثمة أعمال مهمة كتب لبعضها الانقطاع، وعدم التواصل معها بسبب أسلوبها..

الكتابة أسلوب يجعل من اللغة خادما مطيعا لبناء صورة تلتصق بذاكرة القارئ، وتكون مسهمة في بناء لوحة سردية شفافة.. “لقد حاولت أن تكون أسلوبية روايتي محايدة، مع إبقاء قيمة ما ينضح منها من جماليات واقعية..

فيما تعددت أساليبي وتغيرت على طول الرواية ليكون العمل مقنعاً في التلقي وهو يرسم شخصيات يمكن تذكرها، أو قد شوهدت في الواقع أو ربما يمكن تخيٌلها في حكايات يومية عابـرة.. شخصيات روايتي حاضرة غائبة بأسلوبها غيـر النمطـي في العيش أو التعاطي مع حيواتها المأزومة”.

أما عن الوثيقة، فقد أرادها السعد أن تكون واهنة، عندما كان حضورها الفعلي قائما على نسيان 

تفاصيلها لدى من استثمرها في بناء الحكايات التي رسمت خريطتها السردية.. الوثائق المنسية في الرواي، هي ما شكَّل بناءها، ورسم شخوصها، وعوالمها لتكون الرواية مسيرة سردية حكائية جامعة بين الواقع الموثق بنسيان نصية الوثيقة، وبيـن عـالـم متخيل يؤكد واقعية الوثيقـة مـن خـلال أبنية سردية مختلفة ومخاتلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى