أدباء قيد الدرس
وكانت هذه العبارة مفاجئة لعقلي حين سمعتها من بواب العمارة التي نسكنها وهو كردي سوري يعيش في لبنان، حين سألته عن جنسيته فأخبرني ان سوريا ومعها لبنان لا تمنحهم جنسية دائمية، بل ورقة تحمل عبارة قيد الدرس..
وهو ما استمر لعقود طويلة، وحين أخبرته ان الكرد في العراق لا يختلفون عن العرب او غيرهم في حمل الجنسية العراقية دون أية تصنيفات إدارية، تمنى وقتها ان يكون عراقيا لينهي معاناة الانتظار المتعلقة بثبوت انتمائه.
ما ذكرني بهذا ما حدثني به احد الشعراء الشباب، الذي يحلم بحمل هوية اتحاد الأدباء الذي اشترط خلافا لنظامه الداخلي الذي ما زال معمولا به ولم يتغير.. أن يقدم طالب الانتماء كتابا مطبوعا أو كتابين في التخصص الإبداعي كشرط من شروط البت بالقبول ، فيما النظام الداخلي يكتفي بأن تكون له مواد إبداعية منشورة في الصحف المحلية بمعدل لا يقل عن عشر مواد!!.
لجنة القبول في اتحاد الأدباء، التي كنت إحدى عضواتها في الدورة السابقة، وضعت هذا الشرط بسبب هشاشة الصفحات الثقافية اليوم في أغلب صحفنا المحلية، وهو ما تسبب بظهور خراب أدبي وثقافي بنشر العديد من النصوص السردية والشعرية غير الصالحة للنشر، والتي على ما يبدو لم تمر على يد خبير متخصص بمسؤولية تلك الصفحات، مما سهل بروزها وجعل ظاهرة حرق المراحل طاغية بطريقة أضاعت المقاييس والاشتراطات والتجارب الفاعلة، وجعلت الشباب يحملون الصحيفة التي نشرت نصوصهم، وكأنها هوية تعريفية بهم، وعلى الجهات الأدبية والثقافية قبولهم دون قيود ما دامت أسماؤهم قد ظهرت في صحف أقل ما يقال عنها ” دكاكين إعلامية” وليست صحافة رصينة وحقيقية.
وإن كان هناك العديد من الأسماء المهمة في المشهد الثقافي العراقي لم تفكر بالانتماء لا إلى نقابة أو اتحاد ليعطيها شهادة اعتراف بها، ففي المقابل هناك من يعرض بضاعته من عديد الهويات التي يعرضها أمامك، التي لا تتطلب أكثر من اسم وشعار و”كارت” مطبوع يحمل تواقيع أسماء لا تمثل قيمة إبداعية أو مهنية تؤهلها لتكون مانحة لهويات انتماء الآخرين لها.
لسنا مع خرق النظام الداخلي لاتحاد الأدباء واستحداث شرط غير موجود فيه أصلا..
لكننا نرى في ظل هذا الواقع العبثي أن شرط وجود كتاب مطبوع لم يعد أيضا شرطا اختباريا جيدا ما دام الأمر لن يتطلب أكثر من مبلغ صغير ومطبعة وربما دار نشر، ويكون الشخص قد تحول من ” أديب قيد الدرس” إلى أديب صاحب مؤلفات”
وعلى الجهات المعنية أن تعترف به بناء على تحقق هذا الشرط، الذي هو أصلا غير فاعل..
وقد رفضت شخصيا العديد من تلك الطلبات صاحبة الكتب المطبوعة بالمال، وليس بالإبداع حفاظا على ماء وجه الثقافة الذي لا نريد له أن يراق بسبب أصحاب ” قيد الدرس”.!!.


