أوبـامـا ووخـزة الابـرة
لقد تمكن الرئيس اوباما حتى الآن من إبطاء زخم “داعش” بالضربات التي وجهها إليه بالقرب من أربيل ولكن من غير الواضح إن كان هذا من قبيل الرد لمرّة واحدة أم أنها بداية حملة أولها الاحتواء ومن بعد ذلك تدمير القوّة الإرهابية. بيد أننا كلما عجلنا بهذه الحملة تقلّص حجم التعقيدات التي ستترتب على تدخلنا وازدادت فرص النجاح وتعززت احتمالات دحر قوات “داعش” قبل أن تتمكن من تمزيق المنطقة بشكل كامل .. ومن بعد ذلك تتحول إلى تهديد مباشر لأميركا.
التهديدات التي ينطوي عليها الصراع مع “داعش” واضحة لا تخفى على أحد. فإذا ما سمح لـ “داعش”، بتأسيس موطئ قدم ثابت في قلب الشرق الأوسط سوف تصبح المصالح الأميركية الأساسية عرضة للخطر، كما قال الرئيس نفسه في حزيران، وسوف يتحتم حماية المنطقة، وبالتالي أميركا والغرب، من موجة إرهاب على غرار ما رأيناه في 11 أيلول، وتأمين استمرار تدفق إمدادات النفط من منطقة الخليج، وحماية حلفائنا وأصدقائنا الذين ستتزايد عليهم التهديدات بسبب تقدّم الجماعات الارهابية، ومن هؤلاء الحلفاء الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان وتركيا والأردن وحلفاؤنا في الخليج واسرائيل.
ستراتيجية اوباما
تتألف ستراتيجية الرئيس أوباما من ثلاثة عناصر جوهرية هي:
1ـــ مكافحة الإرهاب، وعلى وجه الخصوص تصعيد الحملة على القاعدة مع تركيز متزايد على “داعش”.
2ـــ إجراءات عسكرية أميركية لضرب “داعش” كلما اجتازت قواته العسكرية “الخطوط الحمراء” التي حددتها الولايات المتحدة (والتي كانت محدودة حتى الآن ومقتصرة رسمياً على وقوع كوارث إنسانية معيّنة أو تعرض الكوادر الأميركية للخطر، أو ربما تعرض بنى تحتيّة حساسة للتهديد. 3ـــ الحملة الأوسع لتأمين دعم عسكري واستخباري محدود لحكومة عراقية جامعة تمتلك القدرة على إسقاط الجاذبية التي يتمتع بها “داعش” لدى العرب السنة وكذلك للمقاومة السوريّة المعتدلة.
الأمر الذي كان الرئيس أوباما مصيباً بشأنه حتى الآن هو العنصر الثالث. فالتغيّر السياسي الذي يأخذ مجراه الآن في العراق هو الركيزة والمرساة لأية حملة أوسع مدى تستهدف اقتلاع “داعش”، لأن التقدّم السريع الذي حققه الإرهابيون المتطرّفون ما كان ممكناً لولا الدعم الذي تلقوه من جانب شريحة العرب السنّة العراقيين الساخطين. لذا فإن إزالة “داعش” من مناطق العرب السنّة ستتطلّب حملة معقّدة لمكافحة الإرهاب تكون فعّالة بمستوى الحملة التي شنها الجيش الأميركي خلال الفترة 2007 إلى 2008، ولكن من دون استخدام أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين على الأرض. وتعدّ تسمية حيدر العبادي رئيساً للوزراء، وهو سياسي معتدل، مع انسحاب نوري المالكي خطوات مهمّة للسير قدماً، وهي خطوات ساعدت فيها إدارة أوباما.
ولكن تبرز لنا في هذه الستراتيجية مشكلتان. فنظراً لرؤية أوباما المترددة بشأن فعالية اللجوء إلى القوّة العسكرية، وبسبب أحداث الماضي القاسية الوقع على أميركا في العراق، يميل الرئيس إلى التهوين من أهمية العنصر الثاني في الستراتيجية، وأعني بهذا الإجراء العسكري المباشر من جانب الولايات المتحدة. ولكن على الرغم من الاعتقاد الذي كثيراً ما يردده الرئيس بأن ما من حل عسكري للوضع فإن التقدّم الذي أحرزه “داعش” في المناطق الكردية والشيعية من العراق ليس ظاهرة سياسية أو اجتماعية، بل هو فعل عسكري. والمرء لا يمكنه مواجهة الستراتيجية العسكرية الكلاسيكية بالملاطفات الدبلوماسية.
فالنجاح الصاعق الذي أصابه “داعش” جاء ثمرة تكتيكات جيّدة تمثلت في تجنب المواجهات الكبرى على جميع الجبهات، واللجوء إلى أسلوب تهدئة المواجهة مع هذا الخصم تارة ثم التهدئة مع ذاك (مثلما حدث عندما اجتاحت الحركة قواعد الفرق والألوية التابعة للجيش السوري قبل أسابيع قليلة ومن بعد ذلك تحولها لمواجهة القوات الكردية في الشمال) ومن المحتمل أن يكون هدفها التالي هو اندفاعة قويّة لعزل بغداد (وما سيتبع ذلك من فوضى متعمدة كي تنجر المليشيات الشيعية وإيران إلى الساحة وإشعال حريق سني شيعي أوسع نطاقاً).
مع كل نصر عسكري جديد يكتسب “داعش” مزيداً من القوّة ويغنم مزيداً من الأرض والموارد الستراتيجية (مخزونات سلاح، سدود، منشآت لتوليد الطاقة الكهربائية، حقول نفط، مصاف، وهناك استهداف خاص لعقد المواصلات).
من هنا تأتي أهمية الضربات الجوية لوقف تقدّم “داعش” وتقديم التسهيلات من جانب الولايات المتحدة والبلدان الحليفة لها لتسليح البيشمركة.
محددات القوة الجوية
القوة الجوية لها محدّداتها بالفعل عندما تستخدم في مواجهة حالات التمرد، ولكنها قادرة على قلب الموقف دراماتيكياً لصالح الحلفاء المحاصرين على الأرض حين تستخدم ضد عدو مثل “داعش” الذي يتقدّم في أرتال من الآليات عبر مناطق مكشوفة بدون حماية أو غطاء من حاضنة صديقة. وقد سبق لنا أن رأينا النجاحات التي حققتها القوة الجوية في ظروف مماثلة في ليبيا في 2011 وفي شمال العراق في 2003 و1991، وفي كوسوفو في 1999 وفي البوسنة في 1995 وحتى في فييتنام في 1972.
بيد أن استخدام هذه الوسيلة سيتطلب من الرئيس توسيع المبررات المنطقية للمهمة الجويّة بحيث تتعدى مجرد حماية الأميركيين أو إنقاذ اليزيديين المحاصرين في سنجار. بل أن عليه في الواقع أن يحرّك الإبرة من مجرّد وخزة إلى فعل ذي قيمة ستراتيجية دائمة، على الرئيس أن يتغلب على نفوره من استخدام القوة ويعي أن بعض المشاكل هي في الواقع مسامير على الجيش الأميركي أن يطرقها (تذكيراً بما قاله أوباما في خطابه في ويست بوينت).
المشكلة الثانية في هذه الستراتيجية تتعلق بالعنصر الثالث على المدى البعيد.
فبما أن سياسة الولايات المتحدة تتمثل في حرمان “داعش” من اتخاذ موطئ قدم في المنطقة سينبغي تحسين الأوضاع السياسية في العراق بدرجة تسمح بتطبيق ستراتيجية فعّالة لمكافحة الإرهاب. لا شك في ان أنسحاب المالكي وتعيين العبادي خطوات مهمة باتجاه تشكيل حكومة فعّالة جامعة قادرة على كسب الكرد والعرب السنّة إليها وتحفيز الجيش على النهوض بواجباته، ولكن نظراً لما نعرفه عن تقلّبات السياسة في العراق فإن هذه الخطوات الإيجابية ليست سوى بداية الطريق.


