فعاليات {نادي الكتاب} في كتاب
جاسم عاصي
يُعد التوثيق للفعاليات أمرا مهما، لأنه يرتبط أساساً بالذاكرة الجمعية .
ولأن الذاكرة تلك تنشط في حالة بروز ما يشوب الحراك في الوجود، سواء كان
سلباً أو إيجاباً، وفي هذه الحالة تحدث المقارنة التي من شأنها تجاوز
السلبيات وتعميق الإيجابيات عبر صياغة برامج جديدة تستطيع النهوض بما هو
موجب.
عمل ثقافي مشترك
إن العمل الثقافي المشترك، ووضع الثقافة موضع الصدارة، يعني وعي الضرورة
التي تتطلب فهما أكثر لما نواجه به من حراك يحاول أن يضيّع وعي العامّة
أولاً، ومصادرة وجودهم على صعيد سياسي وإرهابي . وفي الوقت نفسه لابد من
العمل على تفعيل بقية المنظمات لاسيّما منظمات المجتمع المدني التي هي
إضافة إلى كونها تأخذ جانب التخصص في عملها، غير ان لها شأناً في تصعيد
وتيرة الثقافة حتى تصل إلى وعي العامّة لما يجري حولهم. فهي منظمات ذات صفة
مدنية تعمل على صياغة مناخ مدني في تأسيس الدولة، تكون فيها الغلبة لمصالح
الشعب. من هذا نرى أن بعض المنظمات، خاصة ( نادي الكتاب في كربلاء) ذو صفة
مدنية، لكنه ليس من ضمن المنظمات، لأنه انبثق عبر مجموعة من الشباب ذوي
الثقافات المتنوعة في التخصص، معتمدين على إمكانياتهم الذاتية، وبرفد من
نقابة المعلمين في المحافظة في ما يخص المكان والتسهيلات الأخرى.
ولعل نادي الكتاب الذي أخذ على عاتقه ومنذ انبثاقه منذ أربع سنوات على
تقديم جهد متميّز في نشر الثقافة والمعرفة؛ منطلقاً من المسؤولية الجماعية
في تنشيط وتنفيذ فقرات برنامجه السنوي الموزّع على أشهر السنة، بمعدل أربع
أماس في الشهر، ومن دون انقطاع.
الخروج عن النمطية
إن ما يميّز فعاليات النادي، كوّنه خلق وعياً ثقافياً ملحوظاً إلى جانب
نشاطات اتحاد الأدباء ومركز الرافدين للثقافة والقصر الثقافي. كل هذه
المرافق الثقافية أسهمت في تنشيط حراك الثقافة، غير أنها لم تستطع التنسيق،
سواء في العمل بشكله العام، أو تنظيم حال الجمهور، إذ بقي لكل منهما
برنامج وجمهوره. وهذا يؤثر في بناء الثقافة مقابل صراعنا مع ثقافة الموت
المحيطة بنا، ومدى تأثيرها في حياة الناس عبر تشويش أفكارهم، وإضعاف
اراداتهم بسبب الخيبات التي يواجهونها، مثلاً، مآسي الموت الجماعي. الأمر
الذي يتطلب الخروج عن النمطية في الثقافة إلى نمط تأسيسي، عبر برنامج موحد
بين المنظمات مع بقاء البرامج الخاصة لكل مرفق ثقافي ضمن فعالياته الخاصّة.
فالنادي بوصفه واحدا من تلك المرافق في تصاعد دائم عبر تواصل نشاطاته،
والسعي لاستقطاب جمهور جديد من خلال العمل على استضافة المثقفين من
المحافظات وبغداد، مما خلق رغبة في المشاركة الذاتية، من خلال اقتراح جلسات
من لدن المثقفين، بمعنى أصبح مركزاً ثقافياً حيوياً، يرفد حراك المؤسسات
الأخرى كاتحاد الأدباء والكتاب في كربلاء وقصر الثقافة والفنون مثلاً. كما
لفت انتباه المسؤولين في المحافظة ، وعلى رأسهم محافظ كربلاء عقيل الطريحي.
لقد أسهمت فقرات البرنامج من خلال تنوعها في تصعيد وتيرة العمل. إذ توزعت
النشاطات على النحو التالي:
1 ــ المساهمات المحلية وتنوعها..أسهم فيها مثقفو المحافظة وأدباؤها من
شعراء وقصاصين وروائيين وباحثين ونقاد وسياسيين وإداريين. وتميّزت هذه
الفعاليات بالجدية وملاحقة ما يُستجد في الساحة الثقافية في البلد، وموازية
بذلك لمعظم الفعاليات، لما أتت عليه من غنى وتجديد وبناء للعقل والذاكرة.
وقد تخللت هذه الفعاليات، بالإضافة إلى طرح الأفكار ذات التخصص، فعاليات
توقيع الكتب، وقد تعددت فعالياته في هذا الشأن. إذ تم الاحتفال بمعظم
الكتّاب الذين أصدروا كتباً. نوقشت بموضوعية، وطُرحت الأفكار بشأنها، وجرت
حوارات بنّاءة بهذا الشأن. ونظمت ورش أو مشاغل ذات تخصص في الشعر والقصة.
لاقت قبولاً لدى المشاركين من رواد النادي .
2 ــ الجانب الحيوي أيضاً الذي نشّط جمهور النادي الاستضافة. وكان الاختيار
بهذا الشأن انتقائياً، بحيث يعمل النشاط على إضافة نوع ثقافي متميّز،
يُنشّط المساهمين من جهة، ويُزيد المعرفة من جهة أخرى، ويُعطي قيمة
اعتبارية للمؤلفين.
3 ــ التنوع.. ونقصد بذلك العمل على أن تكون برامج النادي متنوعة من
الناحية الثقافية.وقد رفدت الدراسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية
والطبية والعلمية والنفسية، كذلك ما يحمله سجل التاريخ وذاكرة الجماعة، هذا
التنوع أضفى على بنية النادي الثقافية صفة الشمولية، والنظر إلى الثقافة
دونما حدود ضيّقة. وكان الجمهور يتجاوب بفعالية إزاء ذلك، لأنه يحفز
الإمكانيات الذاتية، ويدفع المرء إلى أن يشغل حيّزه في هذا أو ذاك.
4 ــ الاحتفال بالمناسبات الدينية والوطنية، عبر طرح الأفكار وتقديم
المحاضرات، وحظيت الفعاليات باهتمام الجمهور، مما دفعهم للمشاركة بحيوية
واضحة.
5 ـ استحداث ما اصطلح عليه بالورش الثقافية، التي تبناها أحد أدباء
المحافظة، هذا الحقل أخذ على عاتقه تقديم نتاجات الأدباء في كل اختصاص،
كمادة خام تجري عليها الملاحظات التقويمية، وقد نجح إلى حد ما من خلال
تطبيق مبدأ المشاركة .
كان آخر نشاطات النادي، أن أصدر كتاباً وثّق فيه كل فعالياته على مدى أربع
سنوات، مضيفاً بالصورة فرشة لخّصت الأفكار التي تطرق إليها المحاضرون،
وبأسلوب إخراج خص من خلاله كل أمسية وما كان يدور فيها، إلى التعقيبات
والمناقشات، وبهذا اكتسب خاصية التوثيق الذي يفيد منه كل باحث.
عموماً نرى أن المسعى الذي رافق وسوف يرافق النادي مستقبلاً، أعطى نتائج
مهمة وحيوية، لابد من تعميقها ورفدها أكثر، كي ما تُسهم في بناء صرحنا
الثقافي العراقي على أسس علمية متينة، نستطيع من خلاله الوقوف بجدية أمام
سياسة العنف والقتل والتهجير، متمنين أن يتم التنسيق والعمل المتقارب في ضم
فعاليات المنظمات ذات الشأن ، وغيرها من المنظمات ذات التوجه المدني،
منطلقين من مبدأ تلاقح الثقافات وحوارها الدائم، الذي
يصب في خلق وعي الناس وبناء قدرتهم أمام التضليل والصورة البشعة التي يبثها الإرهاب عبر قنواته الإعلامية المتطورة.



