مقالات
واشنطن والقوّة العربية الطائفية
جيمس تراوب
في خطبته عن سياسة مكافحة الإرهاب التي ألقاها في أكاديمية “ويست بوينت” في
العام الماضي أوضح الرئيس الأميركي “باراك أوباما” بما لا يقبل اللبس أن
الولايات المتحدة لن تعود إلى محاولة محاربة التهديد الإرهابي خارج أراضيها
بالاعتماد على قوتها المفردة بل ستجعل هدفها الانخراط بشكل أكثر فعالية في
شراكة مع البلدان التي تحاول الشبكات الإرهابية تأسيس مواطئ قدم لها فيها،
على حد تعبيره. وفي الشهر الماضي أجابت الجامعة العربية النداء بأن أعلنت
عزمها على تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة للردّ على الفوضى المتفاقمة في
المنطقة، وقد أعطت إدارة أوباما دعمها الحذر لهذا الإعلان، وصرح مسؤول كبير
في وزارة الخارجية من خلال مقابلة أجريتها معه أن “الولايات المتحدة ترحّب
بقيام شيء من هذا القبيل في أي مكان، لاسيما سوريا.”التفاصيل العملية لهذا
الجيش المقترح، بما فيها الأعضاء المشاركون وتركيبة القوّات والموقع، سوف
تجري دراستها على مدى الأشهر المقبلة. ونظراً لأن الوحدة العربية، سواء
كانت سياسية أم عسكرية، قد أثبتت في كثير من الأحيان أنها ليست أكثر من
سراب فإن لدينا سبباً وجيهاً للتشكك في أن هذه القوّة سوف تبرز إلى الوجود.
وحتى لو برزت فإن الانقسامات الجوهرية بين الدول العربية فيما بينها سوف
تضمن له أن يبقى أقرب إلى “تحالف الراغبين” منه إلى “الكتلة الموحّدة” كما
هو الأمر في حالة حلف الناتو، أو حتى مثل “مجلس السلم والأمن التابع
للاتحاد الأفريقي”.لقد كان الإحساس بجديّة الخطر، إلى جانب الخوف من تخلي
الولايات المتحدة، هو القوّة الضاغطة التي دفعت بالفكرة إلى الأجندة
العربية، وكانت مصر هي الأشدّ مطالبة بإنشاء القوّة المشتركة بسبب قلقها من
تسرّب عنف المتطرّفين من ليببيا إليها عبر الحدود بين البلدين. وعندما
أقدم مقاتلو “داعش” على قطع رؤوس 21 قبطياً مصرياً دعا الرئيس عبد الفتاح
السيسي إلى تشكيل قوّة تدخل بدعم من الأمم المتحدة، وفي حالة فشل هذا
المسعى طالب بالتوجّه إلى رفع حظر التسلّح عن الحكومة الليبية المعترف بها
دولياً في تمبوكتو. وحين عارضت الولايات المتحدة وبريطانيا كلا الإجراءين
استدل السيسي من ذلك كما يبدو بأن عليه الاعتماد على إخوانه العرب فبدأ يدق
ناقوس الخطر لتشكيل القوّة المشتركة.كان الدافع وراء تشكيل القوّة
مصريّاً، ولكن ذلك كله ما كان ليحقق شيئاً بدون السعودية، فهي القوّة
الكبرى في الخليج سياسياً ومالياً. السعوديون أيضاً رأوا خطراً محققاً يزحف
مقترباً من عتبتهم عندما اجتاح رجال القبائل الحوثيون المتحالفون مع إيران
اليمن، لذا اجتذبت السعودية ثماني دول عربية أخرى، وكذلك الولايات
المتحدة، لشن حرب جويّة على الحوثيين. بذا أصبحت هذه الحرب صيغة ابتدائية
لعمل إقليمي جماعي مشترك تساهم فيه الولايات المتحدة بدور الداعم، وهذا هو
بالضبط ما كان يشير إليه أوباما في “ويست بوينت”.دافعت الإدارة الأميركية
عن لجوء السعوديين إلى القوّة بأنهم يسعون لمنع الموجة الطاغية من
الاستيلاء على اليمن: حيث أن الحوثيين نصبوا صواريخ “سكود” على الحدود
بينما بدأت إيران بتسيير رحلات طيران منتظمة إلى صعدة، وهي معقل قوي من
معاقل الحوثيين. ولكن المسؤول الذي تحدثت إليه في وزارة الخارجية يضيف أن
العمليات الحربية يجب أن تنتهي سريعاً من أجل وضع حدّ للموت والدمار، ولكي
يقتنع الحوثيون بالتسوية السياسية.ولكن ما من إشارة، لسوء الحظ، تدل على أن
الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز سوف يوافق على هذا الاقتراح، فخطته كما
يبدو هي الاستمرار بقصف الحوثيين إلى أن يجبروا على الإذعان. غير أن
السعوديين حديثو عهد بلعبة التدخل العسكري، لذا يظهر أنهم عازمون على تكرار
أسوأ الأخطاء التي ارتكبتها أميركا. فالحرب الجويّة كانت كلفتها أكثر من
500 قتيل مدني والكارثة الإنسانية لا تزال في بدايتها، كما أنها وفّرت فرصة
جديدة لتنظيم القاعدة كي يستولي على المكلّا وهي خامس أكبر المدن اليمنية
من دون أن تحقق شيئاً على صعيد صد الحوثيين ومنعهم من السيطرة على مدينة
عدن الجنوبية الستراتيجية، وهذا ليس مثالاً ابتدائياً مشجعاً.لم تمضِ على
المعركة سوى أسابيع قليلة، وربما ستنقلب الموجة وترتد، ولكن المشكلة الأعصى
هي الصورة التي يرسمها الملك سلمان للحل السياسي المقبول، فبمجرد طرد
الحوثيين يخطط الملك لإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي أجبر على
الفرار من اليمن إلى السعودية، إلى منصبه. بيد أن السعوديين هم من نصّب
هادي أصلاً، وقد أثبت ضعفاً شديداً إلى حد أن جيشه تخلى عنه واختار عليه
سلفه الممقوت علي عبد الله صالح. قد يتمكن هادي من البقاء، ولكنه آنذاك
سيكون مجرد دمية في يد السعوديين، في حين أن الحوثيين ليسوا دمى في يد
إيران كما تزعم السعودية، بل هم قوّة لها ثقلها من أبناء البلد الأصليين
وينبغي الاستجابة لمطالبهم من خلال اتفاقية لتقاسم السلطة.موقف مشابه لهذا
يمكن ملاحظته في ليبيا حيث تقوم مصر بتقديم دعمها السياسي والعسكري لحكومة
طبرق في مسعاها لتدمير الحكومة المنافسة في طرابلس. الحكومة الأولى توصف
بأنها “معتدلة” والثانية توصف بأنها “إسلامية”، بيد أن هاتين الصيغتين
تبسطان الأمور إلى حد كبير وتحجبان حقيقة الخلافات القائمة بين المناطق
والقبائل والجماعات العرقية المتنافسة على فرض سيطرتها. هنا أيضاً سيكون
الحل الوحيد الدائم هو الحل السياسي، رغم هذا فإن العقبة الكبرى الآن بوجه
وقف إطلاق النار هي رفض حكومة طبرق التفاوض مع الإسلاميين، حيث يطالب عبد
الله الثني رئيس وزراء طبرق العرب بأن ينفذوا في ليبيا ما ينفذونه الآن في
اليمن. ولكن هذا لو حدث ستكون الطامّة.لقد تعلمت الولايات المتحدة الدرس
بالطريقة الصعبة، وهو أنها لن يمكنها ببساطة أن تنصّب حكومات لا تحظى
بالشرعية في أعين شعوبها، وهذا هو السبب الذي جعل أوباما يحاول ربط تقديم
المساعدة العسكرية إلى العراق بشرط الإصلاح السياسي وإفساح دور ملحوظ
للسنة. أما الحكام العرب المستبدين فإنهم يرفضون هذا المبدأ، حيث كان رد
السعودية على الخلاف السياسي مع الغالبية الشيعية في البحرين مثلاً هو
ارسال قوّة عسكرية لإعانة النظام الملكي السنّي في المنامة على سحق ذلك
التحرّك السلمي، كذلك يتعامل نظام السيسي مع الخلافات الداخلية على
اعتبارها تهديداً للأمن القومي، لذلك يعتبر أعضاء حركة الإخوان المسلمين من
وجهة نظر القاهرة “إرهابيين”، وهم طابور خامس يمثل صورة أخرى من
“داعش”.إلا أن للمشكلة جذور أعمق من هذا، فالغرب يعرّف مشاكل الأمن
الأفريقي على نحو مقارب لما تعرّفها به الدول الأفريقية، حيث يتلخص الامر
في: دول فاشلة .. وانقلابات عسكرية .. وأمراء حرب شرسون يمثّلون خطراً
يتجاوز حدود مناطقهم ومن الضروري إيقافهم على أيدي لاعبين خارجيين. لهذا
السبب فإن التعامل مع الاتحاد الأفريقي يكاد يخلو من المشاكل نسبياً. أما
العالم العربي فلا وجود فيه لمثل هذا الإجماع.يرى السعوديون في أية انتفاضة
محلية شاهداً وبرهاناً على المسعى الإيراني الذي لا يكل لإحكام الهيمنة
على الشرق الأوسط. على هذا الأساس لا تكون المعركة المركزية معركة الاسلام
المعتدل بمواجهة التطرّف الجانح نحو العنف، كما تراها الولايات المتحدة
والغرب، بل هي معركة السنّة بمواجهة الشيعة. لذا فإن القوّة الضاربة
المشتركة سوف تكون أداة ذات سمة سنيّة لا عربية، ولهذا السبب لم يبدِ
العراق أو لبنان، حيث يمتلك الشيعة سيطرة فعلية، حماساً للانضمام إلى
التكتل المقترح تشكيله. وهذا الوضع سوف يكون له فعله وتأثيره في تعميق
الهوّةالقائمة.الشبح المرعب الآخر في المنطقة هو الإسلام السياسي،
فالإمارات ودول الخليج الأخرى تشاطر مصر هواجسها وشكوكها بهذا الشأن، وهي
أيضاً تصم الإخوان المسلمين بأنهم منظمة إرهابية. لذلك نرى أن أي من هذين
الطرفين لم يبدِ اكتراثاً بتقديم الدعم لتونس، رغم أنها البلد المبتلى بشرّ
أنواع الإرهاب المحلّي، والسبب هو أن الحكومة التونسية تضم في تشكيلتها
حزب النهضة الإسلامي. من مصلحة الولايات المتحدة أن تدعم الديمقراطيات
الوليدة وتنهي الصراعات بأسلوب المصالحة، أما الجيش العربي فهو ليس معنياً
بالقيام بأي منهما.إلا أن الولايات المتحدة لها مصلحة جديّة للغاية في
مكافحة “داعش” في العراق وسوريا وليبيا، بالاضافة إلى إخماد نشاط تنظيم
القاعدة وكبح جماح الحوثيين في اليمن، وهنا تلتقي مصالح الولايات المتحدة
بالمصالح العربية لأن الغرب لا يستطيع حل مشكلة التطرّف الإسلامي، والوحيد
القادر على ذلك هو العالم الإسلامي نفسه. سبق لأوباما القول أن الولايات
المتحدة سوف تعمل من الآن فصاعداً من خلال الشركاء حين يتعلق الأمر بمكافحة
الإرهاب، وقد حدثني أحد الدبلوماسيين العرب عن القوّة المقترحة فقال: “إذا
كانت سياسة أوباما هي ترك المنطقة تحل مشاكلها بنفسها فإني أعتقد أن هذا
هو الموقف المناسب.” فمن وجهة النظر العربية أن تخلي الأميركيين عن دورهم
هو الذي أوجب التحرك العربي الجديد. يقول الدبلوماسي العربي: “الولايات
المتحدة لم تعد فرقة طوارئ تستدعى كلما وقعت مشكلة.”عندما تكون أنت صاحب
الكلمة الأعلى تستطيع أن تملي على شركائك كيف يتصرفون، ولكن لا يمكنك ذلك
عندما لا تكون كلمتك هي الأعلى. والولايات المتحدة لم يعد بوسعها أن تلعب
ذلك الدور، وحتى لو كان بوسعها فإنها ما عادت تريد ذلك، لهذا توجّب عليها
الاعتماد على شركائها وليس مجرد تحشيدهم وتعبئتهم، وهذا يعني أن عليها
التجاوب أكثر من السابق مع وجهات نظر اولئك الشركاء. بذا لم تعد واشنطن في
وضع يسمح لها بالاعتراض على العمليات التي تقوم بها القوة الضاربة العربية
المشتركة أو التدخل لتوجيه عملها. إنه وضع مؤسف، ولكنه حقيقة ما انتهينا
إليه.*عن مجلّة فورن بولسي
في خطبته عن سياسة مكافحة الإرهاب التي ألقاها في أكاديمية “ويست بوينت” في
العام الماضي أوضح الرئيس الأميركي “باراك أوباما” بما لا يقبل اللبس أن
الولايات المتحدة لن تعود إلى محاولة محاربة التهديد الإرهابي خارج أراضيها
بالاعتماد على قوتها المفردة بل ستجعل هدفها الانخراط بشكل أكثر فعالية في
شراكة مع البلدان التي تحاول الشبكات الإرهابية تأسيس مواطئ قدم لها فيها،
على حد تعبيره. وفي الشهر الماضي أجابت الجامعة العربية النداء بأن أعلنت
عزمها على تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة للردّ على الفوضى المتفاقمة في
المنطقة، وقد أعطت إدارة أوباما دعمها الحذر لهذا الإعلان، وصرح مسؤول كبير
في وزارة الخارجية من خلال مقابلة أجريتها معه أن “الولايات المتحدة ترحّب
بقيام شيء من هذا القبيل في أي مكان، لاسيما سوريا.”التفاصيل العملية لهذا
الجيش المقترح، بما فيها الأعضاء المشاركون وتركيبة القوّات والموقع، سوف
تجري دراستها على مدى الأشهر المقبلة. ونظراً لأن الوحدة العربية، سواء
كانت سياسية أم عسكرية، قد أثبتت في كثير من الأحيان أنها ليست أكثر من
سراب فإن لدينا سبباً وجيهاً للتشكك في أن هذه القوّة سوف تبرز إلى الوجود.
وحتى لو برزت فإن الانقسامات الجوهرية بين الدول العربية فيما بينها سوف
تضمن له أن يبقى أقرب إلى “تحالف الراغبين” منه إلى “الكتلة الموحّدة” كما
هو الأمر في حالة حلف الناتو، أو حتى مثل “مجلس السلم والأمن التابع
للاتحاد الأفريقي”.لقد كان الإحساس بجديّة الخطر، إلى جانب الخوف من تخلي
الولايات المتحدة، هو القوّة الضاغطة التي دفعت بالفكرة إلى الأجندة
العربية، وكانت مصر هي الأشدّ مطالبة بإنشاء القوّة المشتركة بسبب قلقها من
تسرّب عنف المتطرّفين من ليببيا إليها عبر الحدود بين البلدين. وعندما
أقدم مقاتلو “داعش” على قطع رؤوس 21 قبطياً مصرياً دعا الرئيس عبد الفتاح
السيسي إلى تشكيل قوّة تدخل بدعم من الأمم المتحدة، وفي حالة فشل هذا
المسعى طالب بالتوجّه إلى رفع حظر التسلّح عن الحكومة الليبية المعترف بها
دولياً في تمبوكتو. وحين عارضت الولايات المتحدة وبريطانيا كلا الإجراءين
استدل السيسي من ذلك كما يبدو بأن عليه الاعتماد على إخوانه العرب فبدأ يدق
ناقوس الخطر لتشكيل القوّة المشتركة.كان الدافع وراء تشكيل القوّة
مصريّاً، ولكن ذلك كله ما كان ليحقق شيئاً بدون السعودية، فهي القوّة
الكبرى في الخليج سياسياً ومالياً. السعوديون أيضاً رأوا خطراً محققاً يزحف
مقترباً من عتبتهم عندما اجتاح رجال القبائل الحوثيون المتحالفون مع إيران
اليمن، لذا اجتذبت السعودية ثماني دول عربية أخرى، وكذلك الولايات
المتحدة، لشن حرب جويّة على الحوثيين. بذا أصبحت هذه الحرب صيغة ابتدائية
لعمل إقليمي جماعي مشترك تساهم فيه الولايات المتحدة بدور الداعم، وهذا هو
بالضبط ما كان يشير إليه أوباما في “ويست بوينت”.دافعت الإدارة الأميركية
عن لجوء السعوديين إلى القوّة بأنهم يسعون لمنع الموجة الطاغية من
الاستيلاء على اليمن: حيث أن الحوثيين نصبوا صواريخ “سكود” على الحدود
بينما بدأت إيران بتسيير رحلات طيران منتظمة إلى صعدة، وهي معقل قوي من
معاقل الحوثيين. ولكن المسؤول الذي تحدثت إليه في وزارة الخارجية يضيف أن
العمليات الحربية يجب أن تنتهي سريعاً من أجل وضع حدّ للموت والدمار، ولكي
يقتنع الحوثيون بالتسوية السياسية.ولكن ما من إشارة، لسوء الحظ، تدل على أن
الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز سوف يوافق على هذا الاقتراح، فخطته كما
يبدو هي الاستمرار بقصف الحوثيين إلى أن يجبروا على الإذعان. غير أن
السعوديين حديثو عهد بلعبة التدخل العسكري، لذا يظهر أنهم عازمون على تكرار
أسوأ الأخطاء التي ارتكبتها أميركا. فالحرب الجويّة كانت كلفتها أكثر من
500 قتيل مدني والكارثة الإنسانية لا تزال في بدايتها، كما أنها وفّرت فرصة
جديدة لتنظيم القاعدة كي يستولي على المكلّا وهي خامس أكبر المدن اليمنية
من دون أن تحقق شيئاً على صعيد صد الحوثيين ومنعهم من السيطرة على مدينة
عدن الجنوبية الستراتيجية، وهذا ليس مثالاً ابتدائياً مشجعاً.لم تمضِ على
المعركة سوى أسابيع قليلة، وربما ستنقلب الموجة وترتد، ولكن المشكلة الأعصى
هي الصورة التي يرسمها الملك سلمان للحل السياسي المقبول، فبمجرد طرد
الحوثيين يخطط الملك لإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي أجبر على
الفرار من اليمن إلى السعودية، إلى منصبه. بيد أن السعوديين هم من نصّب
هادي أصلاً، وقد أثبت ضعفاً شديداً إلى حد أن جيشه تخلى عنه واختار عليه
سلفه الممقوت علي عبد الله صالح. قد يتمكن هادي من البقاء، ولكنه آنذاك
سيكون مجرد دمية في يد السعوديين، في حين أن الحوثيين ليسوا دمى في يد
إيران كما تزعم السعودية، بل هم قوّة لها ثقلها من أبناء البلد الأصليين
وينبغي الاستجابة لمطالبهم من خلال اتفاقية لتقاسم السلطة.موقف مشابه لهذا
يمكن ملاحظته في ليبيا حيث تقوم مصر بتقديم دعمها السياسي والعسكري لحكومة
طبرق في مسعاها لتدمير الحكومة المنافسة في طرابلس. الحكومة الأولى توصف
بأنها “معتدلة” والثانية توصف بأنها “إسلامية”، بيد أن هاتين الصيغتين
تبسطان الأمور إلى حد كبير وتحجبان حقيقة الخلافات القائمة بين المناطق
والقبائل والجماعات العرقية المتنافسة على فرض سيطرتها. هنا أيضاً سيكون
الحل الوحيد الدائم هو الحل السياسي، رغم هذا فإن العقبة الكبرى الآن بوجه
وقف إطلاق النار هي رفض حكومة طبرق التفاوض مع الإسلاميين، حيث يطالب عبد
الله الثني رئيس وزراء طبرق العرب بأن ينفذوا في ليبيا ما ينفذونه الآن في
اليمن. ولكن هذا لو حدث ستكون الطامّة.لقد تعلمت الولايات المتحدة الدرس
بالطريقة الصعبة، وهو أنها لن يمكنها ببساطة أن تنصّب حكومات لا تحظى
بالشرعية في أعين شعوبها، وهذا هو السبب الذي جعل أوباما يحاول ربط تقديم
المساعدة العسكرية إلى العراق بشرط الإصلاح السياسي وإفساح دور ملحوظ
للسنة. أما الحكام العرب المستبدين فإنهم يرفضون هذا المبدأ، حيث كان رد
السعودية على الخلاف السياسي مع الغالبية الشيعية في البحرين مثلاً هو
ارسال قوّة عسكرية لإعانة النظام الملكي السنّي في المنامة على سحق ذلك
التحرّك السلمي، كذلك يتعامل نظام السيسي مع الخلافات الداخلية على
اعتبارها تهديداً للأمن القومي، لذلك يعتبر أعضاء حركة الإخوان المسلمين من
وجهة نظر القاهرة “إرهابيين”، وهم طابور خامس يمثل صورة أخرى من
“داعش”.إلا أن للمشكلة جذور أعمق من هذا، فالغرب يعرّف مشاكل الأمن
الأفريقي على نحو مقارب لما تعرّفها به الدول الأفريقية، حيث يتلخص الامر
في: دول فاشلة .. وانقلابات عسكرية .. وأمراء حرب شرسون يمثّلون خطراً
يتجاوز حدود مناطقهم ومن الضروري إيقافهم على أيدي لاعبين خارجيين. لهذا
السبب فإن التعامل مع الاتحاد الأفريقي يكاد يخلو من المشاكل نسبياً. أما
العالم العربي فلا وجود فيه لمثل هذا الإجماع.يرى السعوديون في أية انتفاضة
محلية شاهداً وبرهاناً على المسعى الإيراني الذي لا يكل لإحكام الهيمنة
على الشرق الأوسط. على هذا الأساس لا تكون المعركة المركزية معركة الاسلام
المعتدل بمواجهة التطرّف الجانح نحو العنف، كما تراها الولايات المتحدة
والغرب، بل هي معركة السنّة بمواجهة الشيعة. لذا فإن القوّة الضاربة
المشتركة سوف تكون أداة ذات سمة سنيّة لا عربية، ولهذا السبب لم يبدِ
العراق أو لبنان، حيث يمتلك الشيعة سيطرة فعلية، حماساً للانضمام إلى
التكتل المقترح تشكيله. وهذا الوضع سوف يكون له فعله وتأثيره في تعميق
الهوّةالقائمة.الشبح المرعب الآخر في المنطقة هو الإسلام السياسي،
فالإمارات ودول الخليج الأخرى تشاطر مصر هواجسها وشكوكها بهذا الشأن، وهي
أيضاً تصم الإخوان المسلمين بأنهم منظمة إرهابية. لذلك نرى أن أي من هذين
الطرفين لم يبدِ اكتراثاً بتقديم الدعم لتونس، رغم أنها البلد المبتلى بشرّ
أنواع الإرهاب المحلّي، والسبب هو أن الحكومة التونسية تضم في تشكيلتها
حزب النهضة الإسلامي. من مصلحة الولايات المتحدة أن تدعم الديمقراطيات
الوليدة وتنهي الصراعات بأسلوب المصالحة، أما الجيش العربي فهو ليس معنياً
بالقيام بأي منهما.إلا أن الولايات المتحدة لها مصلحة جديّة للغاية في
مكافحة “داعش” في العراق وسوريا وليبيا، بالاضافة إلى إخماد نشاط تنظيم
القاعدة وكبح جماح الحوثيين في اليمن، وهنا تلتقي مصالح الولايات المتحدة
بالمصالح العربية لأن الغرب لا يستطيع حل مشكلة التطرّف الإسلامي، والوحيد
القادر على ذلك هو العالم الإسلامي نفسه. سبق لأوباما القول أن الولايات
المتحدة سوف تعمل من الآن فصاعداً من خلال الشركاء حين يتعلق الأمر بمكافحة
الإرهاب، وقد حدثني أحد الدبلوماسيين العرب عن القوّة المقترحة فقال: “إذا
كانت سياسة أوباما هي ترك المنطقة تحل مشاكلها بنفسها فإني أعتقد أن هذا
هو الموقف المناسب.” فمن وجهة النظر العربية أن تخلي الأميركيين عن دورهم
هو الذي أوجب التحرك العربي الجديد. يقول الدبلوماسي العربي: “الولايات
المتحدة لم تعد فرقة طوارئ تستدعى كلما وقعت مشكلة.”عندما تكون أنت صاحب
الكلمة الأعلى تستطيع أن تملي على شركائك كيف يتصرفون، ولكن لا يمكنك ذلك
عندما لا تكون كلمتك هي الأعلى. والولايات المتحدة لم يعد بوسعها أن تلعب
ذلك الدور، وحتى لو كان بوسعها فإنها ما عادت تريد ذلك، لهذا توجّب عليها
الاعتماد على شركائها وليس مجرد تحشيدهم وتعبئتهم، وهذا يعني أن عليها
التجاوب أكثر من السابق مع وجهات نظر اولئك الشركاء. بذا لم تعد واشنطن في
وضع يسمح لها بالاعتراض على العمليات التي تقوم بها القوة الضاربة العربية
المشتركة أو التدخل لتوجيه عملها. إنه وضع مؤسف، ولكنه حقيقة ما انتهينا
إليه.*عن مجلّة فورن بولسي
