شوارع للثقافة
ثقافة مخفية لا تظهر إلا عندما يحدث شيء ما..لأن المخفي لا يستفز إلا بمثير
قوي غير مألوف..فالحياة الثقافية تحب أن يكون لها مكان خاص يحتضن كل شيء..
مكان يكون لافتاً مبهراً ودائم التواصل.
شارع المتنبي لم يكن وحيداً في عاصمة أو مدينة عربية, فمثله شارع الثقافة
في عمان, وشارع النبي دانيال في الاسكندرية بأكشاكه وحيويته، وسوق الأزبكية
في القاهرة، وسوق الحويش في النجف..
وكذا المقاهي أيضا، تحمل بصمة الثقافة كمكان، كمقهى الروضة والهافانا في
دمشق، ومقهى حسن عجمي في بغداد، ومقهى الأدباء بالعشار وسط البصرة، ومقهى
ريش ومقهى الفيشاوي بالقاهرة، كل هذه الأماكن, صنعت ثقافة أو لنَقُل صنعتها
ثقافة
مُرتاديها.
انها أماكن تصنع مصائر بلدان أحياناً، ومنها تبدأ الحكاية, حكاية ثقافة
وصنيع مؤكد, الشوارع دكاكين وأرصفة ورواد, تتراصف في لوحة لتمنح الحياة
للباحث والمريد, انها تبقي الثقافة على قيد الحاضر والمستقبل الأبدي.
قرأت قبل أيام عن فكرة إقامة شارع للمثقفين في بابل، فقد اجتمع عدد من
المثقفين في المحافظة وبمباركة من الحكومة المحلية لاختيارشارع ثقافي في
مدينة الحلة ليكون على شاكلة شارع المتنبي في بغداد ويكون ملتقى لكل
الأنشطة الثقافية في محافظات الفرات الأوسط، وسيكون اختيار الشارع متميزاً
ويتناسب مع أهمية ماتحمله مدينة الحلة من تاريخ في الأدب والفنون
والفكر..
ثقافة الشارع اذن هي دماء تجري في عروق الأدباء والفنانين ومحبيهم.. هي نبض
آخر لقلوب نقية.. نقول هل المطلوب إيجاد شارع للثقافة في كل مدينة عراقية
مثلا؟ سيكون حتماً اختياراً موفقاً، لاسيما ان أدباء ومثقفي المحافظات
يحاولون المجيء الى العاصمة لحضور فعاليات شارع المتنبي يوم الجمعة
والالتقاء بأصدقائهم والتسوق من الكتب المعروضة، وبهذا يكون القادم قد أنفق
مبالغ من المال مع أخطار السفر ليعود محملا بذكريات جميلة عن الشارع، في
المحافظات ستكون الشوارع حيوية وبهيجة وأكثر حميمية مثل المتنبي، وسيؤسس
هذا لمشروع مهم يفيد المدن ثقافياً، ومن ثم يؤدي لميلاد مشاريع كثيرة تبصر
النور واقعاً بعد ان كانت أفكارا
مخفية.
نتساءل هل هذه الشوارع تصنع ثقافة ومثقفين، أم انها عارضة للثقافة بكل
صورها وأشكالها؟ حقا ان الثقافة هي مشروع صعب لايمكن أن يتحقق بمفرده من
دون الحاجة إلى عناصر مساعدة أخرى، منها الوسط الذي يؤثر مباشرة سلباً او
إيجاباً، والوسط الثقافي وسط جاذب وناشر للإبداع ووسيلة ترويج جيدة.
الشــوارع الثقافيــة أكثــر استقطاباً وانتعاشاً بعروض الكتب والمسرحيات
والقضايا الملحة والإبداعات الأخرى، تحية لمثقفي الحلة، وهم يختارون شارعهم
الثقافي، و من المؤكد انه سيحمل بصماتهم المتميزة التي صنعتها مدينتهم
على مر التاريخ.


