ثقافة وتعليم

تعريفات الثقافة اختزال المفهوم ونصوصيَّته

تعرّف الثقافة في معجم علم الاجتماع والمصطلحات
المرتبطة به، تعريفاً شمولياً يستحضر مجمل القرائن التي هي مادة الثقافة
ومنتوجها وفعل الثقافة وتأسيساتها المادية والذهنية والسلوكية، فهي:”اسم
جماعي لجميع النماذج السلوكية المكتسبة اجتماعيا، التي يتم نقلها عن طريق
الرموز، نظرا لأن الاسم يطلق على جميع الإنجازات المميزة للجماعات البشرية
بما في ذلك(ليس فقط أشياء مثل) اللغة وصناعة الأدوات والصناعة والفن
والعلوم والقانون والحكومة والأخلاقيات والقيم الروحية والديانة.

وينطبق الاسم الجماعي على الأدوات المادية أو الصناعات اليدوية التي يتم
فيها تجسد الإنجازات الثقافية وبأية سمات ثقافية فكرية وستحظى بالتأثير
العلمي، مثل المباني والأدوات والماكنات وأجهزة الاتصالات والأعمال الفنية”
كما يقول أرثر أيزابرجر، وهو تعريف ينطلق من منظور وظيفي للثقافة يرتبط
بما يحقق الميزة للجماعات البشرية.

الثقافة والحضارة

وإذا كان بعض الدارسين يمايز بين الثقافة والحضارة، أو يجعل منهما نقيضين،
فإنَّ هذا التعريف لا يضع حداً فاصلاً بينهما، وهو يماثل التعريف
الأنثروبولوجي الذي قدمه (كونراد فيليب كوناك، 1987) في
كتابه(الأنثروبولوجيا الثقافية) الذي يُقرُّ بأنَّ الجنس البشري عموماً له
القدرة على التثقف، وهذه العمومية تلتقي مع نظرة (أنطونيو غرامشي) لكنها
أكثر تقييدا، فالتثقف مقيد بالقدرة التي قد تعني الاستعداد والرغبة
والإرادة، وربما الحاجة أو الضرورة، بينما لم يكن غرامشي يمايز”على قاعدة
ثقافة/ لا ثقافة، فكل إنسان مهما بلغ تدني وعيه أو كانت طبيعة عمله(ذهني أو
يدوي) هو في النهاية مثقف إذ يمتلك تصورا ما للعالم..”.

إنَّ الإطلاق في نظرة غرامشي يأتي من كونه لم يحدد حجم أو طبيعة (التصور)
الذي يمتلكه الإنسان بحكم الأنساق المؤسساتية التي يعيش في ظلها. فمشروع
(غرامشي) كما يقول (د. فيصل دراج) يتحدد”بطموحه الطليق إلى كسر نخبوية
المعرفة، وإلى إنتاج معرفة جديدة تغيب فيها الفروق بين: الثقافة العالمية
والثقافة الشعبية” ولقد تمّت بالفعل ترجمة طموح غرامشي وطروحاته إلى معطيات
ثقافية مألوفة وشائعة، فبرزت بشكل واقعي ماسمي بالثقافة
البروليتارية(العمالية) والثقافة الفلاحية، أو ثقافة الريف مقابل ثقافة
المدينة، وذهبت الدراسات الأنثروبولوجية عميقاً في دراسة مختلف الثقافات
البدائية، حتى بات المعجم الإسنادي للثقافة أوسع مما نتخيل، من مثل: ثقافة
الجنون، ثقافة السجن، ثقافة الحرف اليدوية… إلخ بل “إنَّ الحدود بين
الثقافة(الرفيعة) والثقافة(الوضيعة) قد تآكلت أيضاً بفعل فنون مثل السينما
التي استطاعت أن تقدم عددا كبيرا من الروائع التي تكاد تروق للجميع” وهو ما
يماثل ظاهرة القصائد المغناة التي شاعت مع بدايات الغناء العربي الحديث.

الثقافة والطبيعة

يقول(تيري إيغلتون):”إنَّ كلمة Culture (ثقافة) هي واحدة من بين الكلمتين
أو الكلمات الثلاث التي يكتنفها أشد التعقيد في اللغة الإنجليزية، فلا
يفوقها في ذلك سوى الكلمة التي تؤخذ في بعض الأحيان على أنها الضد أو
المقابل لها- أي كلمة nature (الطبيعة)” ترى ما مصدر ذلك التعقيد؟ وهل
لكلمة ثقافة تعقيد مماثل في لغتنا العربية؟ أعتقد أنَّ مصدر التعقيد هو سعة
المفهوم والتوسع بمدلولاته بسبب التطورات الانتقالية للمجتمعات، ومن تعدد
مستويات القراءة والنظر لفكرة الثقافة وحقولها وتطبيقاتها ووظائفها
واشتغالاتها وأصنافها، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال الارتكان إلى تعريف
محدد من مجموعة تعريفات “بلغت نحو 160 تعريفا، حسب رأي عالم
الأنثروبولوجيا(الفرد كروبر وكلاكهون)” ولا يمكننا بطبيعة الحال أن نحدد كم
من هذه التعريفات ينسجم مع تصورات المثقف العربي لفكرة الثقافة التي أسهم
مشروع الحداثة باختزالها وتكريس نخبويتها، بل قصرها أحياناً، بنرجسية
متعالية على الشاعر(الرائي) ويأتي من بعده

القاص والروائي، حتى ترسّخ تدريجياً ما يمكن أن نسمّيه المفهوم النصوصي
للثقافة، الأمر الذي وفّر صورة جاهزة للسلطة، صورة أقل ما يقال عنها إنها
مهزوزة، ضعيفة، ساكنة، معزولة، عن حركة المجتمع، وبذا لا تقوى هذه الثقافة
على المقارعة، بل من الممكن اتخاذها وسيلة من وسائل الهيمنة، على أن آلة
الإعلام وهي عادةً بيد السلطة، كانت وراء تضييق أفق الثقافة وعزلها
وتسخيرها.

منطقة محظورة

إنَّ استلاب فكرة الثقافة من لدن المثقف والمؤسسة الثقافية والسلطوية قد
أدّى إلى نشأة حسٍّ عدائي مؤسساتي ينطوي على الكثير من المحظورات، وبتواطئ
المؤسسات تحولت الثقافة نفسها مفهوماً أو فكرة إلى منطقة محظورة، ليس على
المستوى العراقي فحسب، بل على مستوى الدراسات العربية، حتى وقت قريب، الأمر
الذي أفضى إلى استساغة المفاهيم السطحية الجاهزة، سواء عند النخب أم عند
عامة الناس، مما يشكّل نقصاً في المكتبة العربية مقارنة بالاهتمام المبكر،
الكمّي والنوعي في الثقافات الغربية، فباستثناء كتاب (مالك بن نبي: مشكلة
الثقافة) الذي يُعدُّ مشروعاً جادّاً لتأسيس نظرية ثقافة عربية- إسلامية،
لم تقدم محاولات الكتابة في هذا المجال رؤية مستقلة، ولم تخرج عن الرؤية
الأوروبية، ولا نزعم أننا هنا سنقدم رؤية جديدة، فالرؤى لاتنبثق عن فراغ،
فمع خلو الذاكرة الـعربية للمعرفة مـن مـتراكم مـفهومي للفكرة، يصبح اجتراح
رؤية مستقلة أمراً عسيرا، فكلمة ثـقافة بمعناها الـمباشر الحالي، حديثة
العهد في معجمنا اليومي والمعرفي، فالمتعارف عليه أنَّ الكاتب المصري(
سلامة موسى) أول من أفشى لفظة (الثقافة) في الأدب العربي وقد انتحلها- على
حد زعمه- من ابن خلدون بعدما وجد أنه يستعملها بمعنى شبيه باللفظ
الأوروبي(culture) وكان ذلك في مقال نشره في مجلة الهلال المصرية سنة 1927،
مع ذلك لا تزال

كلمة (ثقافة) في عرفنا العام كلمة واصفة لفئة أو طبقة أو مظهر أو نشاط، وليست مفهوما. 
ع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى