أدب وفن
في “سيت” الفرنسية: البحر والشعر في كل مكان
تُعرَّف “سيت”، ثقافياً، لمن يبحث عن تعريف لها بـ “بول فاليري” وجورج براسنس، فكلاهما ينتمي اليها. واذا كان فاليري، الذي اقترن اسمه بـ “المقبرة البحرية”، أشهر من أن يُسبق أو يُلحق بصفة للإضاءة عليه فإن براسنس هو موسيقي وشاعر عُرف بأغانيه العاطفية والملتزمة، حظي بشعبية كبيرة في الستينات والسبعينات كما تُرجمت أغنياته إلى نحو أربعين لغة وغنّاها أكثر من ألف مطرب حول العالم. مثلما تقول أحد تعريفاته.وسيت، الوجهة السياحية في الجنوب الفرنسي صارت تُعرف، أيضاً، منذ أربعة أعوام، بمهرجانها الشعري السنوي الذي يُعقد تحت عنوان: أصوات حية ـ من متوسط الى آخر. واذا كان الشعر هو متن هذه التظاهرة فإن فعاليات أخرى مرافقة من غناء وموسيقى ورسم وحلقات حكواتية وسوق كتب وتذكارات تلحق بالشعر في عيده في هذه المدينة ـ الجزيرة التي تعيش كرنفالاً حقيقياً طوال تسعة أيام، فالفعاليات التي تعدّ بالمئات تُقام في أمكنة مفتوحة كالشوراع والحدائق والساحات والقوارب وعند البحر أو فوق الهضبة التي تشرف على المدينة. والمدهش ان الجمهور تجده حاضراً عند كل قراءة حتى لو بعُد مكانها ومهما كان وقتها.
عالمية المتوسط
ويلتئم الشعراء في سيت من بلدان الأبيض المتوسط وحتى ما هو أبعد من ذلك وصولاً الى تشيلي وكولومبيا والأرجنتين وكوبا. وسيت مدينة زرقاء، كيف لا وهي مرآةُ للبحر لا تفصله عنها إلا غلالةٌ مندّاة برذاذه وكذا هو الشعر في أيام هذه المدينة، نسيم مندّى بملوحة الموج وعبقه. في الطريق الى متحف بول فاليري، الشاعر صلاح فائق وأنا والبحر الممتد، المستلقي من عناء تطوافه يحاذينا تارة ويواجهنا تارة، وفقاً لالتفاف الطريق، الصاعد، تحضرني الصورة الهائلة التي اجترحها مالك حداد له، في “الشقاء في خطر” حيث: البحر مغمىً عليه!
والبحر هو مقترح شعري. يصفه بول فاليري بـ “القوة المالحة!”. أما بابلو نيرودا، الذي تمّ الاحتفاء به في دورة سابقة من المهرجان عبر قراءة نصوصه من قبل فنانين فرنسيين، فيعيد تشكيله:
“هنا في الجزيرة، البحر، ويا له من بحر. يخرج من من نفسه كل لحظة. يقول نعم، يقول لا، لا. يقول نعم، بالأزرق، بالزبد، بالعَدْو. يقول لا، لا. لا يستطيع البقاء ساكناً. اسمي البحر، يقول وهو يقرع على صخرة دون أن يستطيع اقناعها. وعندئذ بسبعة ألسن خضراء، لسبعة نمور خضراء، لسبعة بحار خضراء، يجتاحها، يقبلها، يبللها ويدق على صدره مردداً اسمه”.
لهذا يضرب الشعراء موعداً معه كلّ عام في سيت، قصائدهم نوع من تقدمة له، وهو بحضوره الأزرق يفعم فضاء المهرجان ويوشّي تفاصيله، فالأشرعة البيضاء أو ما يمثلها تظهر كخلفية في منصات القراءات الشعرية وكمظلات، والقوارب تبحر بالشعراء وقصائدهم، كفقرة من فقرات المهرجان الثابتة لكل شاعر.
المعنى المائي للمهرجان
بلغ عدد الشعراء أكثر من مائة، من ثلاثة وأربعين بلداً وبعشرين لغة حضروا، وهو ما تختصره انطولوجيا المهرجان التي ضمت نصاً لكل شاعر بلغته الأم وبالفرنسية. من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. من المتوسط، عبوراً للمحيط. المعنى المائي يتحقق في سيت بالكامل فالنيل يحضر أيضاً، والرافدان والخليج والبحر الأحمر. ولفلسطين حضورها المضرّج في مهرجان هذا العام وغزة كانت عنوان فلسطين، لهذا نوّهت ادارة المهرجان بذلك حيث استهلت ليلة افتتاح المهرجان فلسطينياً عبر قراءة الشاعر جهاد هديب، مفتتحاً بذلك قراءات لأربعين شاعراً امتد زمن قراءاتهم مع ما تخللها من عزف لفنانين مختلفين لما يقارب الثلاث
ساعات.
الشعراء تمثّلوا بنصوص قصيرة، من بينهم الشاعر اللبناني الفرانكفوني صلاح ستيتية.
حضور عرب
كان للشعراء العرب حضورهم حدّ انهم لوحدهم يمكن ان يشكّلوا مادة مهرجان. تمثيلات عدة حضرت لبلدان واتجاهات كتابة: فلسطين ـ جهاد هديب. الأردن ـ تحسين الخطيب. سوريا ـ نوري الجراح، لقمان ديركي، صالح دياب، العراق ـ صلاح فائق، باسم المرعبي. المغرب ـ صلاح بوسريف، عبد الرحيم الخصّار. الإمارات ـ ميسون صقر. الجزائر ـ ميلود حكيم، عبد الله الهامل. مصر ـ محمد أبو زيد. عمان ـ طالب المعمري، زاهر السالمي. الكويت ـ نشمي مهنا. السعودية ـ أحمد الملا، محمد الحرز. ليبيا ـ فرج العربي، نصر الدين القاضي. البحرين ـ كريم الرضي. تونس ـ معز ماجد (يكتب بالفرنسية).
صلاح فائق
يفاجئ الشاعر صلاح فائق من يلتقيه ببساطته المحبّبة، ومن يعرف قصيدة صلاح فائق يكتشف تماهيه مع قصيدته هذه. وهو ما عززته أيضاً قراءاته وأحاديثه خلال أمسيات المهرجان، فكان تفاعل الجمهور مع نصه أو شهادته بيّناً، خصوصاً وان ثمة مزيجاً سحرياً مما هو واقعي وغرائبي وساخر في ذات النص.
حضور فرانكفوني
صلاح ستيتية وفينوس خوري ـ غاتا كان لهما حضورهما أيضاً بما يستندان له من عمق فرنسي بحكم اقامتهما الطويلة ونشاطهما الشعري والثقافي عموماً بالفرنسية. صلاح ستيتية كان شفيفاً كالماء، هذا الأخير الذي يحضر بكثافة في شعر صاحب “الماء البارد المحروس ـ 1973″، بوصفه واحداً من رموز تجربته ومنابعها في الوقت ذاته. ولفينوس خوري جمهورها الذي كان يتعاطى معها كنجمة.
الشعر بلغة الإشارة ولغة الأطفال
تجربتان لافِتتان في المهرجان لا يمكن إلا التوقف عندهما وهما ينسجمان مع المستوى العالي من الابتكار وروعة التنظيم وشموليته المعروفة عنه. التجربة الأولى هي اتاحة القراءة للشعراء الصم بإلقاء نصوصهم بلغة الاشارة، وأداء مثل هذا، يذكّر بالتمثيل الصامت (البانتومايم) ، بالمقابل تتم ترجمة ما يُلقى من نصوص لشعراء آخرين الى لغة الاشارة عبر مترجمين متخصصين ليكون بوسع الأصم فهم مغزى ما يُلقى. اما التجربة الثانية والتي أعتمدت في بعض القراءات الشعرية استضافة مجموعة من الأطفال وتجهيزهم بالورق والألوان لترجمة انفعالهم بما يسمعونه من شعر وفهمهم له رسماً.
من خلال هاتين التجربتين فقط يمكن استشفاف الآفاق والمديات التي بلغها مهرجان سيت والتي تعني في الأخير المنزلة الرفيعة التي يوليها للشعر وهو ما تجسّد أيضاً عبر مساهمات فرنسا، البلد المضيف، سعةً وتنوّعاً وغنى.
عالمية المتوسط
ويلتئم الشعراء في سيت من بلدان الأبيض المتوسط وحتى ما هو أبعد من ذلك وصولاً الى تشيلي وكولومبيا والأرجنتين وكوبا. وسيت مدينة زرقاء، كيف لا وهي مرآةُ للبحر لا تفصله عنها إلا غلالةٌ مندّاة برذاذه وكذا هو الشعر في أيام هذه المدينة، نسيم مندّى بملوحة الموج وعبقه. في الطريق الى متحف بول فاليري، الشاعر صلاح فائق وأنا والبحر الممتد، المستلقي من عناء تطوافه يحاذينا تارة ويواجهنا تارة، وفقاً لالتفاف الطريق، الصاعد، تحضرني الصورة الهائلة التي اجترحها مالك حداد له، في “الشقاء في خطر” حيث: البحر مغمىً عليه!
والبحر هو مقترح شعري. يصفه بول فاليري بـ “القوة المالحة!”. أما بابلو نيرودا، الذي تمّ الاحتفاء به في دورة سابقة من المهرجان عبر قراءة نصوصه من قبل فنانين فرنسيين، فيعيد تشكيله:
“هنا في الجزيرة، البحر، ويا له من بحر. يخرج من من نفسه كل لحظة. يقول نعم، يقول لا، لا. يقول نعم، بالأزرق، بالزبد، بالعَدْو. يقول لا، لا. لا يستطيع البقاء ساكناً. اسمي البحر، يقول وهو يقرع على صخرة دون أن يستطيع اقناعها. وعندئذ بسبعة ألسن خضراء، لسبعة نمور خضراء، لسبعة بحار خضراء، يجتاحها، يقبلها، يبللها ويدق على صدره مردداً اسمه”.
لهذا يضرب الشعراء موعداً معه كلّ عام في سيت، قصائدهم نوع من تقدمة له، وهو بحضوره الأزرق يفعم فضاء المهرجان ويوشّي تفاصيله، فالأشرعة البيضاء أو ما يمثلها تظهر كخلفية في منصات القراءات الشعرية وكمظلات، والقوارب تبحر بالشعراء وقصائدهم، كفقرة من فقرات المهرجان الثابتة لكل شاعر.
المعنى المائي للمهرجان
بلغ عدد الشعراء أكثر من مائة، من ثلاثة وأربعين بلداً وبعشرين لغة حضروا، وهو ما تختصره انطولوجيا المهرجان التي ضمت نصاً لكل شاعر بلغته الأم وبالفرنسية. من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. من المتوسط، عبوراً للمحيط. المعنى المائي يتحقق في سيت بالكامل فالنيل يحضر أيضاً، والرافدان والخليج والبحر الأحمر. ولفلسطين حضورها المضرّج في مهرجان هذا العام وغزة كانت عنوان فلسطين، لهذا نوّهت ادارة المهرجان بذلك حيث استهلت ليلة افتتاح المهرجان فلسطينياً عبر قراءة الشاعر جهاد هديب، مفتتحاً بذلك قراءات لأربعين شاعراً امتد زمن قراءاتهم مع ما تخللها من عزف لفنانين مختلفين لما يقارب الثلاث
ساعات.
الشعراء تمثّلوا بنصوص قصيرة، من بينهم الشاعر اللبناني الفرانكفوني صلاح ستيتية.
حضور عرب
كان للشعراء العرب حضورهم حدّ انهم لوحدهم يمكن ان يشكّلوا مادة مهرجان. تمثيلات عدة حضرت لبلدان واتجاهات كتابة: فلسطين ـ جهاد هديب. الأردن ـ تحسين الخطيب. سوريا ـ نوري الجراح، لقمان ديركي، صالح دياب، العراق ـ صلاح فائق، باسم المرعبي. المغرب ـ صلاح بوسريف، عبد الرحيم الخصّار. الإمارات ـ ميسون صقر. الجزائر ـ ميلود حكيم، عبد الله الهامل. مصر ـ محمد أبو زيد. عمان ـ طالب المعمري، زاهر السالمي. الكويت ـ نشمي مهنا. السعودية ـ أحمد الملا، محمد الحرز. ليبيا ـ فرج العربي، نصر الدين القاضي. البحرين ـ كريم الرضي. تونس ـ معز ماجد (يكتب بالفرنسية).
صلاح فائق
يفاجئ الشاعر صلاح فائق من يلتقيه ببساطته المحبّبة، ومن يعرف قصيدة صلاح فائق يكتشف تماهيه مع قصيدته هذه. وهو ما عززته أيضاً قراءاته وأحاديثه خلال أمسيات المهرجان، فكان تفاعل الجمهور مع نصه أو شهادته بيّناً، خصوصاً وان ثمة مزيجاً سحرياً مما هو واقعي وغرائبي وساخر في ذات النص.
حضور فرانكفوني
صلاح ستيتية وفينوس خوري ـ غاتا كان لهما حضورهما أيضاً بما يستندان له من عمق فرنسي بحكم اقامتهما الطويلة ونشاطهما الشعري والثقافي عموماً بالفرنسية. صلاح ستيتية كان شفيفاً كالماء، هذا الأخير الذي يحضر بكثافة في شعر صاحب “الماء البارد المحروس ـ 1973″، بوصفه واحداً من رموز تجربته ومنابعها في الوقت ذاته. ولفينوس خوري جمهورها الذي كان يتعاطى معها كنجمة.
الشعر بلغة الإشارة ولغة الأطفال
تجربتان لافِتتان في المهرجان لا يمكن إلا التوقف عندهما وهما ينسجمان مع المستوى العالي من الابتكار وروعة التنظيم وشموليته المعروفة عنه. التجربة الأولى هي اتاحة القراءة للشعراء الصم بإلقاء نصوصهم بلغة الاشارة، وأداء مثل هذا، يذكّر بالتمثيل الصامت (البانتومايم) ، بالمقابل تتم ترجمة ما يُلقى من نصوص لشعراء آخرين الى لغة الاشارة عبر مترجمين متخصصين ليكون بوسع الأصم فهم مغزى ما يُلقى. اما التجربة الثانية والتي أعتمدت في بعض القراءات الشعرية استضافة مجموعة من الأطفال وتجهيزهم بالورق والألوان لترجمة انفعالهم بما يسمعونه من شعر وفهمهم له رسماً.
من خلال هاتين التجربتين فقط يمكن استشفاف الآفاق والمديات التي بلغها مهرجان سيت والتي تعني في الأخير المنزلة الرفيعة التي يوليها للشعر وهو ما تجسّد أيضاً عبر مساهمات فرنسا، البلد المضيف، سعةً وتنوّعاً وغنى.


