مازال حلمه يطاردني
روى مهدي عيسى الصقر حلماً، ظلّ يراوده أكثر من أربعين سنة، لم يبارح ذاكرته، حتى دوّنه في كتابه “أوجاع الكتابة”. رأى الصقر نفسه مطارداً في مدينة غريبة، مقفرة، يركض عبر دروبها، لا يعرف مطارديه، لكنه يسمع وقع أقدامهم المسرعة وراءه، ثم يعترض طريقَه رجل أعمى يساعد المطاردين ويدلهم على شخصيته، لم يستطع تجاوزه فيملأ قلبَه الرعب.
(1)
أضعُ خطواتي في قلب المدينة الغريبة التي خرج منها حلم مهدي عيسى الصقر. أحشرُ أنفاسي بأنفاس الرجل المطارد عبر شوارع مقفرة، شبه معتمة. النفايات المنثورة في زوايا الشوارع
الخالية (كارتونات أجهزة كومبيوتر مفرغة من محتوياتها) تشير إلى حياة أشخاص افتراضيين (عميان كانوا مبصرين) انفضّوا مسرعين منذ أمد غير معلوم وغابوا في مكان ما (سرداب أو مقهى يتسعان لسكان المدينـة أجمعهم). صافرات الإنذار توقفت بعد اختفائهم، هوائيات التلفاز
وديكة الرياح مائلة في أعلى البنايات، لم تكمل سقوطها. طوردوا حتى أُنهكوا، انسحبوا أو حُشروا، كُتمت أنفاسُهم، أتعثرُ بأحذيتهم التي فلتت من أقدامهم وتناثرت مع أنفاسهم في الهواء الجامد، حول المصابيح التي خثرَ نورُها في بقع ثابتة على الأرصفة، مع ظلال هراوات طويلة لصقت بالجدران، أشجار متفرقة تنزوي تحت المصابيح.
السيارات المتقاطرة في صف طويل متوقفة بلا حراك في وسط الشارع. النوافذ المضاءة في طبقات المباني العليا ترقب الماشي الوحيد في المدينة المفرّغة من الهواء، كعيون جامدة في محاجرها.
الجدران تتعرّق، الهراوات تسيل، قطار السيارات ينتظر إشارة وامضة كي يسير، أنا أسير بعسر، أتعرّق، وأنعطف من طوار شبه معتم إلى رصيف تتبعني الهراوات السائلة على الجدران، أتعثر ببقايا السكان المختفين، أسأل هاتفاً: كيف لحلم رجلٍ واحد، يحمل ذاكرةَ أجيال خاطرت بحياتها، نثرَ حوله الملاحظات الناقدة والأفكار المحرضة، فلم يلتقطها غيره، بل اختفى بهذه السرعة والاستسلام!
لا أسمع صدى لهتافي، لا إسعاف من لافتات المخازن والحوانيت، ودوالّ الشوارع والساحات، ولا ومضة تشير إلى ذكرى إنسان أو جيل أو جماعة، لا كتاب ولا صحيفة ولا مطبعة. أريد أن أتحقق من هذا المجال الفارغ من الأحياء (متى حدث هذا الاختفاء؟ ولماذا؟ وما حقيقة هذه المدينة القروية؟ ألم يحكمها خلفاء وملوك وقادة مغامرون، ألم تحفل بالآثار والتقاليد، ألم تكن مدينة كلام، فلماذا أمست بلا كلام؟). المدينة كلها تتعرّق، في حلم الصقر وفي حلمي السائر بلا دليل أو إجابة.
لستُ مطارداً من أحد حتى اللحظة، لكنني أحسّ بضغط شديد لا أعرف كنهه، ربما تعرّض الصقر لمثله، وسبّبَ فزعه. ربما تعرّض حلمُه إلى انعطاف مفاجئ، وليس إلى اختفاء كليّ، أو انسحاب سهل كما قد يُظن من هذه المطاردة
والتداعي الحر للألفاظ، لا بأس! دعني أنعطفُ إلى شارع آخر في مدينة الأشباح هذه، وأنثرُ كلماتي التي تتجمد في الهواء وتتعرّق في مكانها دون أن تبرح مجالها في الحلم.
(2)
“لو أنك ابن المدينة الملعونة، وكتبتَ قصةً قصيرة عنوانها “دماء جديدة” نبتَت وسط الجموع الغاضبة، لكنتَ وجدتَ هدفك مباشرة، كما استدللتَ على أسلوبك، في التقاط نماذج لا تخطؤها العين ولا تضيع من خاطرك أبداً. ولو ارتدتَ ملهى صاخباً بأنواع الزبائن، وراقبتَ موسراً بطراً يشعل سيجارة غانيةٍ برزمة نقود أمام أنظارهم المندهشة، ثم كتبتَ قصة “علبة الثقاب” من وسط الملهى، بما خالطَ خيالك من خُمار، لشحذتَ حاسةَ النقد الاجتماعي لدى قرائك على أشدّها. ولو أنك تسللتَ إلى أفنية البيوت الخلفية واطّلعتَ على تحلل العلاقات الأسرية وعبث الأزواج بأجسادهم وشرفهم، لعدتَ إلى سجيتك، وانطويتَ على غضبك. عشتَ وسط “المجرمين الطيبين” لكنك لم تدِنْ واحداً منهم قط، واكتفيتَ بما اكتفى به كتّاب “القلعة” الواقعية من نقدٍ وسخرية صُبَّتا في وصفٍ دقيق وحوار عاميّ رشيق.. لكنك الآن هارب من واقعيتك ولعنتها، بعد غياب الأصحاب والنماذج المحبوبة لديك، وقد شارفتَ أن تختتم نصوصَك برؤيا انهيار “القلعة” وخراب المدينة الأليفة، رؤيا الحرب أو الفوضى أو العدم الأخلاقي.. حسن، إنها المطاردة ثانية، الحلم الذي ينذر بتفكك الواقع، واختفاء المدينة القديمة الضاجّة بحياة الليل والنهار، العمل السري والعلني.. يقودك أعمى مجنون إلى حتفك، وهو آخر أنموذج من نماذج “الهيكل” المتداعي..”
(3)
كانت هذه الخواطر قد طاردتني، في منتصف حلم الصقر، وأوقفتني أمام ثقب كهفٍ في شارع فرعي مقفر، اقتربتُ منه ودلفتُ إلى جوفه متوجساً من هراوة سائلة على الجدار الذي ينفتح الثقب في أسفله. تسلل نور ضعيف وفوجئتُ بأزواج الصنادل المصفوفة على باب الكهف المخلوع من مكانه، ولم يستقبلني أي شكل من أشكال الحياة التي تركت أحذيتها على العتبة، لكنني أحسست بأنفاس الكهف تراقب دخولي عندما وقفتُ متلفتاً حولي في وسط القاعة. صفوف من أجهزة الحاسوب المنضدية، مرتبة حول الفسحة الفارغة، جاهزة للدخول إلى سطوح شاشاتها المضاءة، ثم لمحتُ رجلاً وحيداً منكباً على شاشة أحد الحواسيب، يدير ظهره لكائنات القاعة الافتراضية، المتطفلين على حلم الصقر من أمثالي. لم يتحرك الكائن الجامد، فقد كان منشغلاً بالبحث عن ملفات الصقر المخزونة في أيقونات قلعته الواقعية، كما خمنت. جلستُ في موقع يمكنني من مراقبة قفا الكائن الحلمي.. آخر النماذج التي انقلبت على صُنع صاحبها. فجأة التفت الكائنُ الافتراضي نحوي، وقال بصوت مخنوق: “لن تجد شيئاً نافعاً.. أصبح الأثر الخالد فتاتاً بعد أن كان مباحاً لكل طارق غريب، متطفل على الحواسيب.. آلتْ نصوصُه كلها لسلطة الكهف”.
فاجأني صوتُ الكائن المجهول، كما أرعبتني عيناه الفارغتان، وخمود مقلتيهما البيضاوين كالحليب. سألته بحذر: “من تكون يا صديقي؟ لم ألتقِ إنساناً غيرك.. لعلك تهديني إلى خاتمة هذه المطاردة الليلية.. إن كنتَ تعرف مزيداً من الأسرار”. قاطعني رجل الكهف: “أسرار؟ لا أسرار في صميم هذه الوحشة الكبرى.. النصوص ممحوة كفراغ عينيَّ هاتين.. حدّق إلى بياضهما بإمعان”.
ـ “كان هنا باحثون قبلي.. رأيتُ صنادلهم عند الباب”.
ـ “أجل، فُتنوا بحلم المطاردة، ولم يفلحوا.. إنك مثلهم ضائع لا محالة”.
ـ “ألن ترشدني إلى أثر؟”.
ـ “لا أثر يدل عليه. ستخدعك حواسك ولن ينتهي بحثك إلى شيء”.
كنتُ يائساً في مواجهة الكائن المطفأ من النظر والإحساس، فخرجتُ إلى فضاء المدينة الغريبة، علّ أنموذجاً حقيقياً، بديلاً لهذا الأعمى المقيد إلى حاسوبه وكهفه، يعيد إليّ بقايا واضحة من الأثر القديم.


