لكي لا تضيع الذاكرة في تلافيف الزمن
عدنان أبوزيد
صدر الجزء الأول من كتاب “شفاهيات”، للشاعر والكاتب علي ابو عراق، وهو
مرويات شفاهية جرت على الألسن في جنوب العراق ووسطه. يقع الكتاب في أكثر من
200 صفحة من القطع المتوسط، وصدر عن دار “تموز” في دمشق ومكتبة “تنوير” في
البصرة، ورسم لوحة غلافه الفنان العراقي المغترب في اسبانيا، كاظم شمهود.
هوامش مهمة
وقال علي ابو عراق ﻟ “الصباح” بشأن الإصدار الجديد، ان “الكتاب يخوض في هذه
المرويات الشفاهية القارة في أعماق المجتمع العراقي التي تغور عميقا
لالتقاط لمحات تاريخية واجتماعية واقتصادية وجمالية عبر حقب مختلفة دون
رقيب أو قامع أو محددات، بل تجري بروح فطرية تلقائية في هوامش مهمة تصلح أن
تكون متونا”.
وأوضح “انها محاولة أو مشروع في تدوين المتداول شعبيا وغير المكتوب عبر
أجزاء لا أستطيع تحديد عددها، فالمشروع قائم ما دام هناك ما يمكن تدوينه،
وقد أنجزت جزأين لغاية الآن، في نوع من السرد ينساب تلقائيا بلغة متوثبة
لالتقاط بعض خزائن الموروث الشعبي والأثر غير المدون، فهذا المنجم الثمين
والغني جدا لم يلق من الاهتمام ما ينسجم مع تأثيره وأهميته وسعته
وغناه”.واسترسل بشأن الإصدار الثامن له “من الشائع لدى الغالبية العظمى من
الناس ان النص الشفاهي أو حتى الثقافة الشعبية بكل أشكالها وأجناسها لم
تتمكن من الحصول على التأييد والتسليم برقيها أوتنتزع الاعتراف برفعتها،
على الرغم من كونها الأكثر قربا من قلوب الناس وملامسة مشاعرهم وإطلاق
خيالاتهم بسبب بساطتها وتلقائيتها من ناحية الفنون والصناعات بأشكالها
المختلفة”.
وأضاف “يخيّل للكثيرين انها ثقافة العامة والطبقات الكادحة على وجه التحديد
وليست ثقافة كل الشعب أو عمومه لاسيما النخبة والطبقات (الرفيعة) فالكثير
حتى من الدارسين يصنفونها ( شعرا وحكايا و غناء ورقصا وموسيقى وتشكيلا
وصناعات يدوية) ضمن الفطري أو البدائي، وأدبها (شعرا ونثرا) يتم تصنيفه ضمن
الثقافة الشفوية أو الشفاهية، وهذا الشفاهي أو الشفاهية هي من النصوص غير
المعتبرة أو غير المعبرة أو البسيطة والبدائية حسب ما يرون”.
جدارة النص الشفاهي
ورأى علي أبو عراق أن “العلاقة واضحة ومؤكدة بين الشفاهي والمدون، من حيث
التنظير، ولكن ليس هناك اهتمام جدي يؤكد ويشير إلى أن النصوص الشفاهية من
النصوص التي ترقى إلى درجة الأدب الرفيع أو المؤثر في تشكيل جماليات الوعي
عند أغلب الناس، لأن النص الشفاهي أكثر نفوذا للوجدان وأكثر رسوخا في
الذاكرة، وان قوته وتأثيراته لا يتوقفان على استخدام الكتابة والتدوين، إذ
ان قوة الإبداع تنحي اللغة ومعاييرها أوشروطها جانبا وتزيحها باقتدار تام،
وتشتغل بفعل قدرتها وقوتها الداخلية الخاصة وإبداعها الذي ينتزع مكانته
انتزاعا، ولعل في الشعر الجاهلي والالياذة والاوديسة والشاهنامة والكثير من
ملاحم الشعوب المختلفة وهي من الروائع الادبية الشفاهية العالمية ما يؤكد
ما نرمي اليه بقوة ويؤكد جدارة النص الشفاهي”.
وأشار الى أنه “اذا كانت الشفاهية هي نص الإنسان الأول في التعبير عن ذاته
وإحساسه بالوجود بشكل شامل وبالقيم الجمالية والأخلاقية بشكل خاص، فان
الكثيرين يرون تعسفا بما
يشير ضمنا إلى انها نتاج فطري ساذج يفتقد الرفعة والبراعة والتنظيم، وهنا
نود أن نشاكس هذه النظرة ونطرح البديل لا من أجل إحقاق الحق حسب، بل هي
دعوة للخروج من الأطر الجاهزة والمحددات المسبقة التي لا تخلو من استبداد
وقسر وندعو إلى الغور في جماليات هذا النص الذي كان النص الأول ولم يكف عبر
كل
العصور في التعبير عن أهميته وربما أولويته”.
روح عراقية ثرة
وتابع “نحن أبناء القرن العشرين والذي تلاه، صحيح ان ذاكرتنا أثثت بالقصص
والروايات والأغاني الحديثة شرقية وغربية، ولكننا لا نستطيع ان ندعي قطعا
بأننا مقطوعو الصلة بتراثنا الشفاهي من أغان وحكايا وأمثال وأشعار، بل أرى
اننا أكثر قربا لها على الرغم من جعجعة العصر، وان الموقد او ما يسمى
(الكانون) و حكايا الجدات وأشعار الدارمي والأغاني الموغلة في الوجد
والصبابة والعفوية والعشق والبطولات والتضحية وقصص الجن والأشباح لم تزل
تحتل الجزء الأكبر
في وجداننا والمساحة الأوسع فـي
ذاكرتنا”.
وخلص الكاتب إلى “ضرورة الاشتغال ضمن مشروع إدامة هذه الروح العراقية الثرة
المكتنزة وعدم السماح لها بالضياع في تلافيف الزمن وصخب التكنولوجيا،
لاسيما ان الجيل اليوم، يمثل عتبة فاصلة بين القديم والجديد والشفاهي
والمدون والفطري والمصنع والبسيط والمعقد”.


