مقالات

قنابل الإعلام

بقلم: ابراهيم سبتي
 الحرب لا تدار بالمدفع وحده, لأنها منظومة متشابكة
ومعقدة من عناصر تشترك لادامة الزخم، ومن اهم هذه العناصر هو الإعلام
بمفهومه المؤثر الفاعل, فالإعلام المصاحب لغبار الحرب, ربما يكون قاتلاً
اكثر, وربما يكون اكثر وقعاً. انها الحرب المعاصرة التي من مفرزاتها
الإعلام المباشر الذي ينقل الصورة دون رتوش, ينقلها بمهنية عالية وربما دون
مهنية اصلاً, فقد يقوم جندي ما بتصوير مشاهد حرب بهاتفه وقد تكون معبرة
ومؤثرة اكثر من مشاهد الإعلامي المحترف الذي يركز احياناً على تصوير الحرب
بالتراشق والرمي والدخان دلالة الهزيمة للطرف الآخر ـ العدو. الجندي المصور
قد يلتقط بشاعة الحرب من زاوية مختلفة تماما لا تخطر ببال احد، يلتقط
صورة واحدة لمجموعة من زملائه وهم يتناولون الطعام امام صناديق العتاد مثلا
او يتهازجون للاستهانة بالعدو، انها نظرة فطرية للحرب. مثلا هنالك بعض
القنوات الفضائية المحلية والعربية بمذيعات جميلات لا تفارق وجوههن البسمة
المصطنعة تنقل خبر بدء هجوم للارهابيين على القوات الامنية, او تراجع
لقَطعات عسكرية اضطرارياً لسبب سوقي او تنظيمي, اي انها تنقل حدثا معيناً
ربما لا يكون ستراتيجياً ولا مهماً، الا ان القناة بفتاتها المثيرة تعتبره
خسارة فادحة ومصيرية وتبني عليه تنظيرات وتحليلات ونتائج وهمية ثم يخرج
علينا المحللون الذين لا يعرفون حتى معنى التحليل نفسه, ليأكلوا بعقولنا
“حلاوة” مرة مغمسة بالحقد والسم وتمني زوالنا من الكوكب.
إنهم يقولون الاشياء التي لم تحدث, يقولون الاشياء التي يتمنون حدوثها,
انهم مجموعة جائعة تنهش بلحمنا ودمنا، ونراهم يفترسوننا بكلام مطعم
بالمصطلحات العسكرية والمفاهيم المنمقة بحلو الجمل والتعابير المبهرة.
يأكلوننا بابتساماتهم الماكرة، وهنا نرى بأنه عندما تتقدم القطعات محرزة
تقدما ما, تبدأ طبول تلك القنوات تدق بعنف معلنة وبصوت اجش بان القوات خرقت
حقوق الانسان واحرقت الزرع والضرع ويطالب محللوها بتدخل دولي للحد من
الانتهاكات، بينما القوات تتقدم بحرب وقائية والقنوات تصفها بشتى النعوت
حتى ان المشاهد يتوقف لحظة مسترجعاً ومدققاً كل الكلام الصادر من القنوات
المؤيدة للهوية الوطنية.. هوية البلاد التي تنتهك في كل فرقعة اعلامية
مضادة، فتربك المتلقي وتضعه امام حيرة من الوقائع. انها بهرجة الإعلام
المعادي عندما تخرج فتاة جميلة بسن ضاحك لتنقل اخبار الموت بسيارة مفخخة او
حزام ناسف، في حين ان المذيع الآخر ببدلته الانيقة وشاربه الرفيع ووجهه
اللامع, يحاول ان يبث السم في الخبر المفبرك جيداً لاقناع الناس بأنهم
سيلاقون نفس المصير وانهم موتى على لائحة الانتظار, وان الحرب ستطول!.
هذا اعلام الموت والخراب، اعلام الابتسامة المخيفة والكلام المطلق كدوي
المدافع. انهم يريدون اماتة شعب برمته بقنابلهم الإعلامية. ترى ما الذي
تحاول المذيعة المبتسمة قوله لنا بعد الآن وهي ترى الجندي يدخل امكنة
وجحورا كانت عصية وعادت الى دفء البلاد، ليصنع مشهدا صاعقا لكل قنوات الدس
والفتن؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى