تطهير ثقافي
شدني تصريح ايرينا بوكوفا المديرة العامة لمنظمة اليونسكو الذي اعلنت فيه صدمتها لما يتعرض له العراق من طمس لتنوعه الثقافي، من خلال “التهديد المنهجي” الذي تمارسه “داعش” ضد التركمان والمسيحيين والايزيديين العراقيين.
مامن إنسان يتفهم، بحدود بسيطة وعفوية، فكرة التعايش مع الآخر، لم يتألم لماجرى في (الموصل وتلعفر وسنجار والحمدانية وسنجار وزماره)، المدن التي تسكنها تلك الأقليات، احتلال وإبادة ونزوح وخطف وتهجير بالإكراه، ومن ثم حدث ولاحرج عن مآسي النازحين منهم إلى مناطق أخرى، فعلى الرغم من الرعاية الرسمية والتضامن الشعبي معهم، يندرج ماحدث لهم ضمن مساع غامضة لإحداث تغيير ديموغرافي في العراق، لكن عبارة بوكوفا هي الأبلغ ( انه تطهير ثقافي يجب أن يتوقف فورا).
لولا أهمية التنوع الثقافي لما أفردت له اليونسكو يوما عالميا تحتفل به كل شعوب العالم سنويا، وأطلقت العام 2011، حملة شعبية عنوانها (افعل شيئا لأجل التنوع والشمول)، أي تطالب الأفراد والمنظمات القيام بأعمال حاسمة لدعم التنوع . في احتفالها باليوم العالمي للتنوع لهذا العام الذي وافق 21 آيار الماضي، كانت أهداف اليونسكو (رفع مستوى الوعي الشعبي في كل أنحاء العالم بشأن أهمية حوار الثقافات المتنوعة. بناء مجتمعات مؤمنة بدعم التنوع ” في كل إيماءة من إيماءات الحياة اليومية الفعلية”. الحد من الاستقطاب وعدم الركون إلى القولبة والتنميط).
وفق هذه الاعتبارات الحيوية، لن يكون هناك وجود مستقبلي لما يسمى “الدولة الإسلامية” بنسختها “الداعشية”، العالم ليس أحاديا مقولبا، وإلاسقط في الجمود ومن ثم الانقراض وهذا مصير”داعش”، لسنا في القرون الوسطى كي تمر جرائم الإبادة الجماعية، مرور الكرام. في القرن الماضي شرعت الأمم المتحدة بتأسيس منظمات دولية تابعة لها تهتم بكل تفاصيل حياة شعوب العالم، كل تتحرك في مجال اختصاصها إذا ما حدثت نكبة تهدد الوجود الإنساني، بالتعاون، طبعا، مع حكومات الدول المعنية وشعوبها.
يجب أن ندرك هنا حكومة وشعبا ومثقفين وأحزابا وتيارات سياسية ومنظمات مجتمع مدني، بأن ديمومة الحضارة العراقية وهي أولى الحضارت في العالم كامنة في تنوعها الثقافي، بلاد الرافدين أم الخيرات والطبيعة الجغرافية المتنوعة شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، جاذبة منذ آلاف السنين لطيف واسع وثري من التنوع القومي والديني، هذا التنوع استدام إلى الآن، عبر بوابة كبيرة هي اكتساب هذا التنوع ثقافة التعايش السلمي، وأحقية الآخر المختلف في السكن بجواري والتضافر معه بالشدائد والمحن، ومشاركته الخيرات والأفراح.
يمكن القول إن إدراك التنوع والاختلاف هو جسر حيوي أو مرآة ساطعة لمعرفة الذات” وبضدها تتبين الأشياء”، حين يمارس أي متطرف إلغاء الآخر المختلف المتنوع، يلغى معه أيضا إدراكه لذاته ، ولذا لا ينتبه ولايعي لما يعمل أهو في جادة الصواب أم الخطأ، ليس هناك كمال بشري إطلاقا، بل مرآة الاكتمال تشع من ذات الآخر. ولذا لا يعي “الداعشيون” ما يفعلون، لذا أنكرت عليهم أفعالهم، مختلف المذاهب الإسلامية وغالبية الأديان السماوية، فهل يعقل أن الغالبية العالمية هي الخطأ و”داعش ” الصحيح؟.
أشد ما يؤلم أن أقسى الضرر وقع على أقليات جامعها الثقافي المشترك صفة المسالمة، مع انها ذات أديان مختلفة، هي تؤمن أن الدين السلام والمحبة، بهكذا استدام العراق جوهره الإنساني وحيويته الثقافية، بعربه وكرده وتركمانه وشبكه، بشيعته وسنته ومسيحييه وصابئته وايزيدييه.
لن يعود العراق كما كان إلا بالحفاظ على هذا التنوع، وهو واجبنا جميعا.


