عزف على إيقاعات الأشياء المهملة
لعل الغور في عالم القصة القصيرة جدا يفتح لنا نوافذ الاطلاع على
استنهاضها وتكريسها والعمل عليها بوصفها فناً سردياً معاصراً، ولأن هذا
اللّون من الاشتغال السردي له مواصفاته ودقائقه الحذرة اذا ما اعتمدناه من
عائلة السرد القصصي. هذا اللّون لمسنا حضوره البارز على يد مجموعة من قصاصي
العراق، والقاص حنون مجيد واحد منهم، فكانت مجموعته (الخيانة العظمى)
معتمدة على ذلك النمط السردي. تناظر مع قصيدة النثر
وذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ان (القصة القصيرة جداً جنس أدبي حديث يمتاز
بقصر الحجم والايحاء المكثف والنزعة الموجزة) بحسب جميل حمداوي، فإنها في
الوقت ذاته تتمتع بميزات التكثيف ومتعة الشدّ والصدمة ولغة التلميح وسمات
التجريب، ومهارة اللّعب اللّغوي ومخيالية البناء الذهني، وما الى ذلك من
بناءات عميقة، بالاضافة الى اشكالية البناء الاجناسي القلق الذي يناظرها مع
قصيدة النثر، إذ ان التمايز المهاري الذي يضع المتلقي في لحظة الإمساك
والتشخيص بين نمط وآخر يخلقه السارد نفسه من خلال الفعل البياني الواضح
الذي يشتغل عليه..
القاص والروائي حنون مجيد، قبل صدور مجموعته هذه، قدم الكثير من هذا
الاشتغال السردي، أشعر أن إلحاحه الشديد في ذلك ، جاء من رغبة نفسية معمقة،
لها جذورها الاجتماعية والسياسية والثقافية، فهي كاشفة عن لغة التعبير
المشحونة بهذه المؤثرات، بخاصة إذا ما أمسكنا ببعض العناوين المشخصة، وهي
تؤكد تشخيصنا، ومع وجود المعيار الفني المميز، فإنه بلا شك يتميز بنوعية
(الكم)، حتى وان كان بعضها يعبر عن مشهد اختزالي، مع دقة اختيار الموضوع
المعمول عليه.


