ثقافة وتعليم

ملاحقة ما تفرز الأمكنة من قيم أخلاقية

ملاحقة ما تفرز الأمكنة من قيم أخلاقية
كتاب الرحلة ينطوي على ما يؤهله لأن يكون حاوياً لخصائص المكان، لما لمحمولاته من تنوع تتصل مباشرة بالمكان. بمعنى أن ما يرد في تفاصيل الرحلة، هو نوع من اكتشاف المكان الجديد. ومن فرط حساسية الذات يحدث نوع من المقارنة بين المكانين، سواء كان هذا التذكر ذا مسحة سلبية انتقادية، أو إيجابية تلاحق النوع. إن ما ينشط خلال الرحلة، هي الذاكرة، وما يحضر على أشكال وأنماط شتى، هو الماضي بكل مكوّناته.

مساءلة المتداول

الأمر الذي يتطلب من القارئ لأدب الرحلات أن يكون يقظاً في التقاط صورة المكان من بين تراكم المَشاهِد، كذلك على الباحث عن المكان حصراً في انثيالات الذات المبصرة؛ أن يلاحق ما تنحو إليه ذاته من بحث في كينونات الأمكنة. من هذا نجد في كتاب ( وارد بدر السالم) المعنون ( الهندوس يطرقون باب السماء، رحلة إلى جبال الهيمالايا الهندية) نجد. من خلال هذا العنوان أنه يستوقفنا هاجس واحد، يحاول الكتاب أن يتناوله- كما نقرأــ وهو تأثير الدين والمعتقد في الذات الإنسانية. فالهندوس، حسب العنوان هم بتعدد مشاربهم، وكثرة معابدهم، يرومون التقرب إلى الرب الماكث في السماء. لذا وضعنا العنوان أمام اعتبار إيماني يقود إلى نوع من القيم التي تتعلق بالأخلاقية، وحصراً بالفطرة الإنسانية التي يتحلى بها الهندوسي، انطلاقاً من إيمانه الفطري بمعتقده، الذي هو عبارة عن مجموعة طقوس وحِكَم تؤسس إلى نوع من الدين. 

ومن هذا الاعتبار الإجرائي الذي اتخذه الكتاب، نجد أنفسنا أمام تنوع يقود إلى نوع من المقارنة بين الأمكنة، ليس لذاتها وتعلقها بطبيعة الرحلة التي تنزع إلى الأمكنة الجبلية في الهند، بل إلى ما ترشحه هذه الأمكنة من قيم. وبهذا يضعنا الكاتب أمام نوع من البناء المثيولوجي الذي يتصف به المكان من خلال ارتباطه بالطقس الهندوسي من جهة، ومن خلال الطبيعة الطوبوغرافية للمكان من جهة أخرى. فنحن أمام تعقيد في البيئة، التي ترشح مكاناً يدعو إلى دربة المقارنة عند الكاتب، بين مكانه الحالي، ومكانه السابق. ليس من باب التوصيف الجيولوجي، بل عبر القيم المترتبة في كلا المكانين المقارنين مع بعضهما من خلال ما يمتلكه الكاتب من قوة الذهن الذي يتمكن من التذكر أولاً، والمقارنة ثانياً. إذاً نحن أمام إعادة نظر في القيم التي تطبّعنا عليها، ونتبحر في القيم التي أنتجها الطقس الإيماني عند الهندوسي الفطري والتلقائي في تعامله مع مرشحات الدين ــ الطقس ــ وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى منظومة القيّم الفكرية المنتجة لمجموع القيّم الاجتماعية والأخلاقية والسياسية . 

الإيمان والقيمة الصغرى

قبل أن نلاحق ما أنتجته الرحلة من قيم عبر صور لمشاهدات يومية ، لابد من الوقوف على ما ينتجه المكان المنعزل وشبه المنعزل. فالإيمان سبق رحلات المسافرين إلى الأمكنة لأجل الاستجمام أو الاكتشاف. فالماكث في المكان سبقهم، وبناء المعتقد سبق الجميع، لأنه يتعلق بقيمة عليا في الوجود الإنساني. من هذا تكون نظرتنا التي أيقظ مفاصلها محتوى الكتاب، يعني أن القيم كنوع لا تؤسسها الحضارة فحسب، وإنما يتركز ذلك في فطرة الإنسان. فكم من صورة للحضارة في مدن كبيرة أو صغيرة، تجد القاطنين في أمكنتها غير مكترثين بجمال المكان. وكم من مدن تعرضت لنوع من تشويه عمارتها من خلال إكساء واجهات عمارتها القديمة، من دون النظر إلى مبنى عمارتهم من الداخل، والأخذ بالمبدأ الذي شيّدها. وهو ما نطلق عليه الترقيع. وهو مبدأ شمل أيضاً المبنى الفكري يشتى ضروبه، بحيث خلق ضروبا وتنوعا في التعسف ومصادرة حرية الآخر عبر السلوك غير المنضبط بمبادئ ومعايير إنسانية. الأمر الذي وصفت به هذه الأمكنة بالمتخلفة، على الرغم من تجدد واجهات أمكنتها ولمعانه، لأنها أنتجت قيّماً مشوهة على حساب أمكنة أصيلة. من هذا نرى أن متداول الكتاب بشأن متابعة التأصيل ألقيمي للإيمان بالمعتقد والدين، يشكّل الجوهر الأساس في تداول مفردات الحياة، لأنه الضابط الأهم في السلوك الإنساني، وليس في النص الديني وما ينتجه التداول من الارتخاء في التعامل مع محتواه، سواء بالتضليل القصدي، أو بالفهم الساذج الذي يرجّح المصلحة الذاتية على حساب المعتقد. 

إن الإيمان بالشيء يعني التغلغل في مساماته، والعمل على جعله جزءا يتحوّل إلى كل من التشكيل الذاتي، الذي ينتج قيماً توازي قيم النص. وهذا ما أراده الكاتب من خلال كتابه، أن يؤصل نظرة الإنسان الهندوسي ذي الإيمان المطلق بتعاليم الحِكمة التي تدرب عليها كسلوك إنساني، وهذا ما قاده إلى الإيمان الحقيقي بالرب باعتباره ضابطا للسلوك، الذي حدد سلوكه وتعامله مع الآخرين. فالفطرة هي الأنقى في صياغة التعامل مع بني البشر. وبالمعتقد تُصاغ الذات الإنسانية. 

إن طبيعة الإنسان الهندي صاغت مجموعة قيم أنتجتها مجموعة تعليمات وحِكم أنتجها بوذا أو غيره في تاريخ الهند، فهي في المحصلة النهائية أنتجت سلوكاً طيبا ً طالع كل من دخل المكان، ومنهم صاحب الكتاب. فقد كان يلاحق طبيعة القيم، ويرجعها إلى منظوماتها القيمية.

إن ( وارد بدر السالم) وكما هو توصيفه؛ قاص وروائي عراقي انحدر من بيئة الجنوب، وحصراً من مدينة البصرة. وليس بجديد ملاحقة المؤثرات التي أنتجته ككاتب، فقد باتت معروفة طبيعة المنتج البشري والمؤثر في مدينة منفتحة على البحر والبرية في آن واحد. فمنذ بواكير كتاباته القصصية، كان للمكان حضور في نصوصه. ليس من باب الحضور فحسب، وإنما من باب التفاعل معه وما يصوغه المكان من قيم لذا فأنه وهو يشاهد ويصوّر ويكتب عن بيئة الهند، وفي أعقد أمكنتها وهي الجبال، وحصراً جبال الهيمالايا المعقدة، نجده يلاحق ما أفرزته الأمكنة من قيم تنتمي إلى منظومات فكرية، رشحت قيما أخلاقية.

• جزء من دراسة طويلة ضمن كتابنا المتخصص بالمكان تحت عنوان ( بيت الحمام) 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى