حروب وملتقيات ثقافية
هو غادر مناطق أزماته، ولا هو من استوحش طريق التفرج، ولا هو من حمل فكرة
أهمية دوره جيداّ ! الوطن في أزمة ، بل هو في أزمات، وشعبه يدور في أرجائه
باحثا عن منطقة آمنة وسقف وما يحفظ ماء الوجه، الكل يدور في الفراغ وقد
يفلح ليتموضع في مخازن او مدارس او بيوت مهجورة او كرفانات موعودة.
ومثقفنا يقف عند زاوية الملتقيات الثقافية والمهرجانات الأدبية ، ويدوي
بصوت لا يسمع جيدا في نقاشات جانبية، عما يمكن أن ينهي هذه الأزمة أو تلك،
ويدلي بدلوه في ترجمة أحلامه، وليس في تفسير واقعه برؤية تحليلية، ويترجم
تلك الأحلام في آهات قصيدة تقرأ عبر منصة لتنال التصفيق ثم تنتهي حال نزوله
عنها، وتضمحل مدلولاتها في نقاشات أخرى، تنمو هنا وهناك، ويلوكها اجترار
عجيب بين مقارنات قديمة وجديدة، ورفض وقبول، وانتهاكات لحريات الآخرين
وتصويبات خجولة لبعض من يزمجر متلفتا خشية أن يكتشفه أحد من الرافضين لما
يقول!!
كل هذا يجري والبلد ينزف أبناءه وأمكنته وبيوته وبناه التحتية ومستقبل رجال
الغد ويبصق دما أحمر يحمل بصمة الاناث والذكور ومعهم ما حلمنا بأن يكون
عليه بلدنا في قادم الأيام.
منتديات غير رحيمة بالعراق وملتقيات غير صامتة عن صخب ضحكاتها وضجيج مضغ
الأزمة لتبتلعها الذاكرة المهيأة لاستقبال أزمة جديدة لننسخ بها ما قد
سبقنها، وهكذا ندور في فلك الحاضر، والمتوقع الى ما لا نهاية بحجم كارثة
ما نطلق عليه من تسميات تحتاج دوما إلى توصيفات أكبر.
هل دور المثقف أن يدافع عن موقفه ان تضامن مع ما يحصل محليا، وهو ما حصل
للفنانين المصريين الثلاثة الذين شاركوا في مهرجان” هنا العراق “؟ وهل دور
المثقف المحلي أن يهتف عاليا لموقف هؤلاء الثلاثة دون أن نرى ما فعله هو في
ذات الحال؟ وهل دور الملتقيات ينحصر بفئة قليلة مساحتها لا تتجاوز ربع
مساحة حجم الألم العراقي المهدور؟ وهل كوارثنا تتعادل مع دور مثقفينا
وادبائنا وفنانينا وعلمائنا والباحثين والدارسين والاكاديميين في داخل
العراق وخارجه؟ هل قدمنا لشهداء العراق ما يستحقون من إماطة اللثام عن
الجناة وعن المساهمين في الوأد الممنهج من دول الجوار والدول الاقليمية وهل
وقف المثقف وقفة المنصة الفاعلة ليؤشر ما فعله بعض السياسيين بارتباطاتهم
بمشروع تصدير الموت للعراق وقفة حقيقية نزعت القناع عن القناع داخل مؤتمر
أو ملتقى أو مهرجان؟
يبدو ان تنديد ” بان كي مون” ومجلس أمنه الغريب، قد أصاب بعدواه واقعنا
الثقافي الذي دأب على إصدار بيانات التنديد والشجب والاستنكار، فيما تصمت
الحياة في مدن العراق على يد من أوغل في تمزيق امكنتنا بكل حقد العالم
المتآمر على حاضرنا وتأريخنا ومستقبلنا.
لنغادر أمكنة الشجب والاستنكار والبيانات الميتة إلى منصة الصوت الهادر
الذي يشارك في إيجاد مقعد له داخل الأزمات، ويعمل على تفكيكها والمساهمة
الفاعلة في تعريتها وقمعها، وهو يحمل أدواته الفاعلة في المجتمع وحينها
نؤمن بأن للمثقف دورا حقيقيا.


