رواية التغيير تكرَّستْ بعد 2003
الجديدة التي ظهرت بعد العام 1991، وذكر في مقال له من ضمن سلسلة مقالات
نشرها في جريدة الصباح عن ما يسمى بـ (رواية التغيير)، إن هذه الروايات
تشكّل حساسية جديدة في السرد العراقي، وعن المعايير التي اعتمدها في توصيف
هذه الرواية، قال مبدعنا إن ما يميز هذه الروايات هو خاصيتها التوثيقية
لحقب تاريخية معينة في العراق، وكذلك اهتمامها بالمعلومة وعنايتها بفكرة
الفضاء الالكتروني وما يتفرع منه، أما عن تاريخية هذه الرواية فقد أشار
إلى، أن التغيير الروائي بدأ قبل مرحلة التغيير السياسي، وأن العام 1991 هو
العام الحاسم الذي أشعل شرارة الانعطاف الروائي الجديد في العراق.
مفهوم التغيير
تلك هي الخطوط العريضة التي اعتمدها القاص الرائد محمد خضير في توصيف رواية التغيير.
وعلى وفق هذه الخلاصة يتعين علينا الآن أن نختبر هذا المفهوم، كي يكون
قابلاً للتداول النقدي في أثناء الحديث عن الرواية الجديدة في العراق.
لقد فحص محمد خضير إلى الآن عدداً من الروايات قال إنها تنضوي ضمن هذا
الاتجاه، وأشار إلى روايات أخرى أيضاً ضمن هذه السلسلة، ولمّح إلى وجود
دلالات مشتركة بين تلك الروايات، إلا أنه لم يفصح عن ماهية هذا التغيير،
أهو تغيير في الشكل أم المضمون أم كلاهما معاً؟، ولم يشر إلى الأسباب التي
تقف وراء هذا التغيير، أهي
سياسية أم تاريخية أم فنية؟، وبهذا فإنك لا تعرف من أين تبدأ الحديث عن
رواية التغيير في العراق، (هذا إذا كانت هناك رواية تغيير حقاً !).
الواقع أن مفهوم التغيير يقترن بأكثر من مفصل في حياتنا الواقعية، فهو
يقترن بالتاريخ والسياسة، كما المعارف والعلوم والآداب والفنون.
على المستوى السياسي يتسم مفهوم التغيير بنوع من الشمولية والاتساع فهو
يشير الى مجمل التحولات التي تتعرض لها البنى السياسية في مجتمع ما بحيث
يعاد توزيع السلطة والنفوذ داخل الدولة نفسها. كما يعني، إن تحولاً جذرياً
في القيم والأفكار يحدث، وأن أشكالاً قديمة تتقوض، ويتم إبدالها بطرائق
جديدة غير مسبوقة، بحيث يبدو وكأن
تأريخاً من القيم والرؤى والأفكار يبدأ من جديد، وبهذا يمكن أن نتحدث عن
ثورات كبرى في التاريخ، كالثورة الصناعية، وثورة أكتوبر الروسية، والثورة
الفرنسية، وما رافق تلك الثورات من إبدال جذري في القيم على المستوى
السياسي والاقتصادي والمجتمعي.
أما في الأدب، فيمكن أن يحيلنا مفهوم التغيير إلى الأشكال الروائية
الحديثة، التي جاء بها جويس وبروست في بداية العقد الثاني من القرن
العشرين، تلك الأشكال التي قطعت كل وشيجة لها مع الأساليب والأشكال التي
سبقتها، لذلك عدت روايات مثل (يوليسس) و(البحث عن الزمن الضائع) بداية لعصر
الحداثة في الرواية، بسبب مفارقتهما للرواية الكلاسيكية شكلاً ومضموناً،
ووقوفهما عند ملتقى العديد من التقاليد والأنواع الأدبية.وعلى مستوى
التحقيب، عرفت الرواية الغربية هذا النوع من الروايات بشكل مبكر، فقد
استوحى ستاندال موضوع رواية (الأحمر والأسود) من حادثة وقعت فعلاً في فرنسا
ولذلك أعطاها عنواناً فرعياً هو (وقائع عام 1830)، كما استقى شتاينبك مادة
روايته (عناقيد الغضب) من كارثة الكساد الاقتصادي الذي عصف بأميركا في
ثلاثينيات القرن المنصرم، وهناك روايات كثيرة أخرى تناولت حادثة أو واقعة
أو حقبة تاريخية، إذ أن العمل الروائي لا يمكن أن يقوم على فراغ، ومن ثمَّ
لا بد للروائي من مادة لروايته، وهذا بطبيعة الحال أمر بديهي، لا يسوّغ لنا
توصيف هذه الروايات بروايات تغيير لمجرد إنها تناولت وقائع تاريخية.
وعلى الرغم من أننا لا يمكن أن نتحدث عن ثورة بهذا الحجم في الأدب العراقي،
بسبب افتقارنا إلى تقاليد روائية راسخة في العراق، مثل تلك التي في الغرب،
فقد وقفت السياسة حائلاً دون تطور النوع الروائي في بلداننا العربية،
وبخاصة العراق، الذي ابتلى بمختلف صنوف القهر والاستبداد على امتداد تاريخه
السياسي المعاصر، إلاّ أن كل هذا لا يمنعنا من التحدث عن رواية عراقية.
حساسية جديدة
مما لا شك فيه، أن الرواية العراقية تطورت في السنين العشر الماضية تطوراً
كبيراً (أقول في السنين العشر الماضية لا منذ تسعينيات القرن المنصرم كما
يرى أستاذنا محمد خضير) بسبب أولاً، التغيير الحاصل في بنية الثقافية
العراقية بعد 2003 بعد أن كانت تهيمن عليها ثقافة البعد الواحد، التي كانت
تضع خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها على الأدب باسم أعراف محددة، ظل الكاتب
العراقي، بسببها، يتوارى طوال عقود خلف نفسه، ويتعذر عليه التعبير عن ذاته
دون أقنعة، بعدما سلبت الأنظمة الشمولية منه كل جوهر إنساني، غير أن هذه
الفسحة من الحرية التي جاءت بها رياح التغيير أخيراً، جعلت الرواية
العراقية أكثر تحرراً وانفتاحاً، ولم يقتصر هذا الانفتاح على مضمون
الرواية، بل انسحب على أشكالها أيضاً. وقد كان محمد خضير مدركاً لهذه
الحساسية الجديدة في الرواية العراقية، وهو المعروف بحرصه على متابعة كل ما
يستجد في الساحة الثقافية. وعلى الرغم من أن مفهومه حول التغيير يشوبه بعض
الغموض، إلا أنه كان أول من أشار إلى أن هناك شيئاً جديداً في الكتابة
الروائية، يختلف عما سبقه، بدأ بالظهور، وأن ما يميز هذه الروايات وغيرها،
هو اعتمادها أساليب تتوفر على تقنيات تعبيرية متنوعة دشنت لمرحلة جديدة في
الكتابة الروانية


