نقاد ميسانيون يُحاضرون عن الرواية العراقيَّة
“أوراق نقديَّة عن رواية ما بعد التغيير” قدَّمها المشغل النقدي الميساني
عبر ثلاثة اوراق نقديَّة مهمَّة لكلٍّ من، صادق ناصر الصكَر وعلي سعدون
وحسن السلمان. قدَّم الجلسة الروائي أسعد اللامي.
الناقد حسن السلمان في ورقته، أقرَّ بوجود تماس وحبكة ومعنى ولكن ليس
بالمفهوم الكلاسيكي ( مقدمة ووسط ونهاية) على مستوى الشكل في الرواية
العراقية الجديدة، وابتعادها عن ألاعيب الحداثة والتداخل والتمويه
والعلاقات السائبة، معتقداً بأنَّ ثيمة المأزق الوجودي والهموم الشخصيَّة
والإشارات السياسية والدوران في فلك الذات وجعلها محوراً ضيق الأفق، كانت
هي الثيمات الرئيسة المعلنة والمهيمنة على أغلب النتاج الثقافي العراقي قبل
التغيير، سواء عند الأسماء المعروفة أو الأجيال اللاحقة التي لم تثبت
أقدامها بعد..
أما على مستوى الشكل، فقد كان طغيان المجاز الأدبي والولع اللامحدود بالشكلانية هو المهيمن على الرواية عدا استثناءات محدودة.
وقسَّم الناقد علي سعدون ورقته إلى ثلاث مثابات على حدِّ قوله لفهم ما يجري
في الرواية العراقية بعد العام 2003، الأولى، كانت في السعي الحثيث لجعل
الخطاب الثقافي مشغلاً للمعرفة واستدراج أكبر قدر من الأسئلة الوجودية،
لكنَّ السؤال المهمَّ هو: ألم تكن الرواية العراقية قبل هذا التاريخ معنية
بالتساؤل؟
وإلَّا فإنَّ كلَّ ما قُدِّم كان عبثاً وفق هذه الرؤية المغلوطة. إنَّ
الفرق بين الروايتين ما هو إلَّا التطبيق العملي الذي استدعى في الأولى
أسئلة لم تحمل اجابات فيما استدعت الثانية الأسئلة الحرجة والإجابة عليها.
المثابة الثانية،هو تجسُّد الخطاب الروائي الجديد بالسرد النرجسي، السرد
المتعالي بوصفه العارف الوحيد (ليس السارد العليم)، وعَنِيَ بها صيغة
الايديولوجيا للعارف الوحيد لما يجري .
المثابة الثالثة، تمثَّلت في إجراءات الفنتازيا كواحدة من أكثر الاشتغالات
تواجداً في رواية ما بعد العام 2003، وينظر لها بعين الريبة والشك، لأنَّ
واقع العراق ينتج فنتازيا حقيقية وما استدعاء أخرى متخيِّلة إلَّا ضرب من
الجنون.
في الورقة الثالثة تساءل الناقد صادق ناصر الصكَر، عن معنى القول برواية ما
بعد التغيير والرواية الجديدة..هل ثمَّة أشياء جديدة تجعل المتلقي يعتقد
بوجود رواية جديدة؟ يرى الصكر أنَّ أدب ما بعد التغيير مصطلح سياسي اكثر من
كونه فنيَّاً، لأنَّ الروايات تحت سقفه لا تتشابه في تقنياتها أو
موجهاتها، والدليل ان عدداً محدوداً من الكتاب استلهم حساسية الخوض في
فضاءات جديدة.
ان ادخال ماكان محظورا على الرواية العراقية في حقبة الفاشية، لا يعني أن الرواية أصبحت على عتبة ما بعد التغيير..
ويضيف الصكَر .. ان مقولة أدب ما بعد التغيير مقولة زلقة.. ان زلزال السقوط
أصبح حدثاً يصلح لبث المزيد من الكشوفات السردية التي تفصح عن إمكانيات
أخرى يمتلكها الوعي الجديد للكاتب أصلاً، في مقابل كاتب فاقد للحسِّ
التاريخي.
ان روائيي ما بعد التغيير،كما يقول الصكَر، فريق صغير حسم أمره مع فلسفة
حضور السرد في الحياة، وحين تتمرَّغ الحياة بوحل “الاحتلال” فإنَّهم
سيقرؤونه بوصفهم أبناء الفلسفة التي حسموا أمرهم معها، وليس بوصفهم ضحايا
للخيانات الذاتيَّة.
يرى الناقد فاضل ثامر في مداخلته عن الأوراق المقدَّمة، أنَّه ينبغي علينا
ألَّا نخلط بين (النقد الثقافي) الذي يُعنى بالبحث عن الأنساق المغيَّبة
غير المعلنة داخل النص الثقافي وبين تحويل هذا الخطاب إلى رسالة اجتماعية
تفرض على النص.. متسائلاً.. من يحدد أن بعض الروايات قد قدَّمت أجابات على
اسئلتها الوجودية وأخرى أخفقت، ويضيف ثامر.. أعتقد أنَّ هناك مبالغة
ومحاولة اختزال عندما نحدد اسماً معيَّناً من دون الآخرين.
فيما وجد القاص عبد الأمير المجر أنَّ تحديد هوية الرواية بما قبل أو بعد
التغيير وسماتها وأنساقها واتجاهاتها يحتاج إلى وقت للإنضاج، لأنَّ فعل
الصدمة بعد العام 2003 مازال قائماً، ومن ثمَّ لا يمكن حدوث فرز حقيقي
للرواية.


