مقالات
الحلول المتكاملة والاستدامة
بقلم: برهان المفتي
تأتي الأفكار المتجددة التي تحمل صفة الابتكار من
التعامل مع المشاكل، لكن ذلك يتطلب آلية ومهارة فهم المشكلة وأساسها،
وكيفية نموها، لمعالجتها بصورة منهجية وعلمية. والحلول الكبيرة تحتاج إلى
قراءة شاملة لمشهد المشكلة ثم الغوص في أدق تفاصيل المشهد ومعالجة الجزئيات
التي تشكل الصورة الكاملة، وكلما زادت عملية البحث عن التفاصيل، كلما كان
الحل متكاملاً يرضي الأطراف التي تبحث عن الحل.
ومن المشاكل المتنامية التي تحتاج إلى أفكار متجددة في التعامل معها هي مشكلة تراكم النفايات البلدية داخل المدن المزدحمة.
وقد بدأت دول كثيرة – تلك التي لها ستراتيجيات قراءة المستقبل – بتشكيل فرق
متخصصة لمعالجة مثل هذا النوع من النفايات التي هي حاصل الحياة اليومية،
فأصبحت هنالك دول تدرس البصمة البيئية لمواطنيها، تلك البصمة التي يدخل
فيها استهلاك الموارد البيئية مثل الماء والطاقة واستخدام التربة، وتأثيرات
ذلك على البيئة مثل النفايات والانبعاثات، فتضع خططاً لتقليل بصمتها
البيئية وتكون تلك الخطط ضمن المدى المتوسط والبعيد للوصول إلى توازن بيئي
بين الاستهلاك والتأثير في منظومة مستدامة توفر الحاجة الآنية وحقوق
المستقبل.
وتحمل النفايات ومعالجتها فرصاً كبيرة للابتكار والإبداع وذلك بسبب تشعب
هذه المشكلة وارتباطها بجوانب عديدة، مثل المجتمع والاقتصاد والبيئة وتلك
هي مرتكزات الاستدامة، بمعنى، أن معالجة النفايات بخطة شاملة ومتكاملة هي
خطوة في الاتجاه الصحيح نحو مجتمع مستدام وتنمية مستدامة، لكن البداية تكون
بوضع ستراتيجية وطنية ذات أهداف محددة بدقة وتشريعات تنظم كيفية الوصول
لتلك الاهداف.
ومن بين الستراتيجيات الناجحة دراسة نماذج من مجتمعات أخـرى، والاستفادة
منها وليست تطبيقها حـرفياً، ذلك لأن لكل مجتمع خصوصيتـه باختلاف الهـويات
والثقافات والممارسات اليومية، تلك التي لها علاقة بالنفايات، مثل كمية
استهلاك الطعام، والخدمات البلدية التي يختلف أداؤها باختلاف المجتمعات
وكفاءة إدارتها، وأيضاً باختلاف التشريعات التي تنظم الممارسات البلدية ،
حيث أن دولاً معينة تفرض ضرائب تراكمية تتصاعد في حال تجاوز أي فرد حصتـه
المقـررة مـن النفايات البـلديـة.
ومن أهم الحلول في التعامل مع مشكلـة النفايات البلدية هي فكرة الطاقة
المستخلصـة من تلك النفايات، وفي المجتمعات والمدن التي تتميز بالكثافة
السكانية، فان هذه الفكرة – في حال وجود محطة معالجة مصممة خصيصاً لهذه
الفكرة – توفر كمية من الطاقة الكهربائية تكفي لتغطية احتياجات جانب مهم من
المدينة كأن يكون هذا الجانب إنارة الشوارع أو توفير الطاقة الكهربائية
للمدارس.
ولكن حرق النفايات يحمل جانباً آخر يجب الاهتمام به ومعالجته، هو جانب
مخلفات الحرق مثل الرماد والروائح والانبعاثات التي قد تطرحها مثل تلك
المحطات.
لهذا، فان التعامل مع النفايات يجب أن يكون شاملاً ومتكاملاً ويغطي جوانب المشكلة كلها.
وفي المدن التي تكون مساحاتها محدودة، تزاحم النفايات ومكبات النفايات المساحات المخصصة للسكن والمعيشة.
لذلك، يأتي الحل من حرق تلك النفايات لإلغاء الحاجة إلى مكبات أو ساحات
لطمر النفايات البلدية والتي تسبب في المدى البعيد حالة تسمم للتربة وفقدان
مساحات إنتاجية من تلك التربة أو فقدان مساحات سكنية لأن طمر النفايات
يجعل السكن في مجمعات قريبة غير مرغوب فيها، ففي سنغافورة – وهي دولة
أساسها ميناء نشط جداً – مساحة السكن فيها محدودة جداً بسبعمائة كيلومتر
مربع، يعيش عليها حوالى أربعة ملايين ونصف مليون شخص، بمعدل كثافة سكانية
عالية جداً يتجاوز ستة أشخاص في كليومتر مربع واحد.
ورغم الاعتماد على السكن العمودي في أبراج وشقق عالية، إلا أن زيادة السكان أوجبت البحث عن حلول هندسية مبدعة لتوفير مساحات إضافية.
ولأن النفايات في مثل محدودية المساحة هذه، تكون أكبر المشاكل بما يطرحه
أربعة ملايين ونصف مليون شخص يومياً من نفايات بلدية، فان الحل المبدع جاء
من هذه النقطة بالذات، وهو معالجة النفايات لتوفير مساحة إضافية.
إضافة لتوليد الطاقة الكهربائية، وهذه المعالجة جاءت من فكرة هندسية
متكاملة درست جوانب المشكلة كافة، اجتماعية (مشكلة السكن) ، وبيئية (مشكلة
النفايات) واقتصادية (الطاقة)، وهذه المسألة كانت بداية لجزيرة “سيماكاو”
الاصطناعية السنغافورية.
فهذه الجزيرة الاصطناعية على بعد ثمانية كليومترات من ساحل سنغافورة وضمن المياه الاقليمية لسنغافورة، وأساسها رماد حرق النفايات.
فهناك محطة لحرق النفايات البلدية التي ينتجها السكان في سنغافورة، وهذه
المحطة جاءت بتصميم هندسي متقدم جداً لمنع روائح حرق النفايات ولتوفير نظام
دقيق للسيطرة على الحريق بسبب التعامل مع نفايات قابلة للحريق ربما
تلقائياً بسبب تشبعها بالزيوت.
كلفت هذه المحطة ميزانية سنغافورة 600 مليون دولار أميركي، وكمية النفايات
التي تحرق هي ثلاثة آلاف طن يومياً وهي كمية كافية لتوليد طاقة كهربائية
مقدارها ثمانين ميغا واط بالساعة تغطي احتياجات محطة حرق النفايات وتوفير
الكهرباء لجزء من سنغافورة، ثم شحن رماد هذه النفايات في سفن مخصصة لردم
مساحة في البحر، تلك المساحة التي أصبحت جزيرة سيماكاو الاصطناعية، ولأن
ذلك الرماد المنتج من عملية الحرق هو رماد عضوي لأن النفايات البلدية هي
نفايات عضوية، فانها صديق للبيئة بل ويساعد في زيادة خصوبة وانتاجية
التربة، وبذلك أصبحت هذه الجزيرة الاصطناعية جزيرة خضراء رائعة تستوعب
نفايات سنغافورة كلها حتى سنة 2040، وكلفة بناء هذه الجزيرة الاصطناعية
كانت أربعمائة مليون دولار.
مثل هذا الحل المتكامل يأتي من دراسة شاملة وعميقة للمشكلة، ومن التوازن
الدقيق بين المجتمع والبيئة والاقتصاد في منظومة الاستدامة، وقد كلفت
الفكرة الحكومة السنغافورية مليار دولار أميركي، ولكن المردود الاقتصادي
أكبر وأكثر من هذا المبلغ، وذلك بسبب توفير مساحة سكن في جزيرة سنغافورة،
وخلق مساحة إضافية هي جزيرة سيماكاو الاصطناعية إذ انها ستتحول إلى جزيرة
سكنية جاذبة للسكان بسبب جمالها ونظافتها! وتوفير طاقة كهربائية أساسها
النفايات، والمحافظة على البيئة.
مرة أخرى، لا تعني الإشارة إلى هذا النموذج الاعتماد على التقليد المباشر،
بل الاستفادة من طريقة وستراتيجية التعامل مع المشكلة بحلول مبتكرة أساسها
حاجة المجتمع المحلي، تلك الحاجات كلما كبرت وتوسعت، كانت الحلول أكثر
إبداعاً، حين تكون هناك دراسة شاملة وفهم حاجات المجتمع المحلي، ووضع خطة
قابلة للتطبيق، لرؤية مستدامة في حل يربط المجتمع مع البيئة والاقتصاد.
تأتي الأفكار المتجددة التي تحمل صفة الابتكار من
التعامل مع المشاكل، لكن ذلك يتطلب آلية ومهارة فهم المشكلة وأساسها،
وكيفية نموها، لمعالجتها بصورة منهجية وعلمية. والحلول الكبيرة تحتاج إلى
قراءة شاملة لمشهد المشكلة ثم الغوص في أدق تفاصيل المشهد ومعالجة الجزئيات
التي تشكل الصورة الكاملة، وكلما زادت عملية البحث عن التفاصيل، كلما كان
الحل متكاملاً يرضي الأطراف التي تبحث عن الحل.
ومن المشاكل المتنامية التي تحتاج إلى أفكار متجددة في التعامل معها هي مشكلة تراكم النفايات البلدية داخل المدن المزدحمة.
وقد بدأت دول كثيرة – تلك التي لها ستراتيجيات قراءة المستقبل – بتشكيل فرق
متخصصة لمعالجة مثل هذا النوع من النفايات التي هي حاصل الحياة اليومية،
فأصبحت هنالك دول تدرس البصمة البيئية لمواطنيها، تلك البصمة التي يدخل
فيها استهلاك الموارد البيئية مثل الماء والطاقة واستخدام التربة، وتأثيرات
ذلك على البيئة مثل النفايات والانبعاثات، فتضع خططاً لتقليل بصمتها
البيئية وتكون تلك الخطط ضمن المدى المتوسط والبعيد للوصول إلى توازن بيئي
بين الاستهلاك والتأثير في منظومة مستدامة توفر الحاجة الآنية وحقوق
المستقبل.
وتحمل النفايات ومعالجتها فرصاً كبيرة للابتكار والإبداع وذلك بسبب تشعب
هذه المشكلة وارتباطها بجوانب عديدة، مثل المجتمع والاقتصاد والبيئة وتلك
هي مرتكزات الاستدامة، بمعنى، أن معالجة النفايات بخطة شاملة ومتكاملة هي
خطوة في الاتجاه الصحيح نحو مجتمع مستدام وتنمية مستدامة، لكن البداية تكون
بوضع ستراتيجية وطنية ذات أهداف محددة بدقة وتشريعات تنظم كيفية الوصول
لتلك الاهداف.
ومن بين الستراتيجيات الناجحة دراسة نماذج من مجتمعات أخـرى، والاستفادة
منها وليست تطبيقها حـرفياً، ذلك لأن لكل مجتمع خصوصيتـه باختلاف الهـويات
والثقافات والممارسات اليومية، تلك التي لها علاقة بالنفايات، مثل كمية
استهلاك الطعام، والخدمات البلدية التي يختلف أداؤها باختلاف المجتمعات
وكفاءة إدارتها، وأيضاً باختلاف التشريعات التي تنظم الممارسات البلدية ،
حيث أن دولاً معينة تفرض ضرائب تراكمية تتصاعد في حال تجاوز أي فرد حصتـه
المقـررة مـن النفايات البـلديـة.
ومن أهم الحلول في التعامل مع مشكلـة النفايات البلدية هي فكرة الطاقة
المستخلصـة من تلك النفايات، وفي المجتمعات والمدن التي تتميز بالكثافة
السكانية، فان هذه الفكرة – في حال وجود محطة معالجة مصممة خصيصاً لهذه
الفكرة – توفر كمية من الطاقة الكهربائية تكفي لتغطية احتياجات جانب مهم من
المدينة كأن يكون هذا الجانب إنارة الشوارع أو توفير الطاقة الكهربائية
للمدارس.
ولكن حرق النفايات يحمل جانباً آخر يجب الاهتمام به ومعالجته، هو جانب
مخلفات الحرق مثل الرماد والروائح والانبعاثات التي قد تطرحها مثل تلك
المحطات.
لهذا، فان التعامل مع النفايات يجب أن يكون شاملاً ومتكاملاً ويغطي جوانب المشكلة كلها.
وفي المدن التي تكون مساحاتها محدودة، تزاحم النفايات ومكبات النفايات المساحات المخصصة للسكن والمعيشة.
لذلك، يأتي الحل من حرق تلك النفايات لإلغاء الحاجة إلى مكبات أو ساحات
لطمر النفايات البلدية والتي تسبب في المدى البعيد حالة تسمم للتربة وفقدان
مساحات إنتاجية من تلك التربة أو فقدان مساحات سكنية لأن طمر النفايات
يجعل السكن في مجمعات قريبة غير مرغوب فيها، ففي سنغافورة – وهي دولة
أساسها ميناء نشط جداً – مساحة السكن فيها محدودة جداً بسبعمائة كيلومتر
مربع، يعيش عليها حوالى أربعة ملايين ونصف مليون شخص، بمعدل كثافة سكانية
عالية جداً يتجاوز ستة أشخاص في كليومتر مربع واحد.
ورغم الاعتماد على السكن العمودي في أبراج وشقق عالية، إلا أن زيادة السكان أوجبت البحث عن حلول هندسية مبدعة لتوفير مساحات إضافية.
ولأن النفايات في مثل محدودية المساحة هذه، تكون أكبر المشاكل بما يطرحه
أربعة ملايين ونصف مليون شخص يومياً من نفايات بلدية، فان الحل المبدع جاء
من هذه النقطة بالذات، وهو معالجة النفايات لتوفير مساحة إضافية.
إضافة لتوليد الطاقة الكهربائية، وهذه المعالجة جاءت من فكرة هندسية
متكاملة درست جوانب المشكلة كافة، اجتماعية (مشكلة السكن) ، وبيئية (مشكلة
النفايات) واقتصادية (الطاقة)، وهذه المسألة كانت بداية لجزيرة “سيماكاو”
الاصطناعية السنغافورية.
فهذه الجزيرة الاصطناعية على بعد ثمانية كليومترات من ساحل سنغافورة وضمن المياه الاقليمية لسنغافورة، وأساسها رماد حرق النفايات.
فهناك محطة لحرق النفايات البلدية التي ينتجها السكان في سنغافورة، وهذه
المحطة جاءت بتصميم هندسي متقدم جداً لمنع روائح حرق النفايات ولتوفير نظام
دقيق للسيطرة على الحريق بسبب التعامل مع نفايات قابلة للحريق ربما
تلقائياً بسبب تشبعها بالزيوت.
كلفت هذه المحطة ميزانية سنغافورة 600 مليون دولار أميركي، وكمية النفايات
التي تحرق هي ثلاثة آلاف طن يومياً وهي كمية كافية لتوليد طاقة كهربائية
مقدارها ثمانين ميغا واط بالساعة تغطي احتياجات محطة حرق النفايات وتوفير
الكهرباء لجزء من سنغافورة، ثم شحن رماد هذه النفايات في سفن مخصصة لردم
مساحة في البحر، تلك المساحة التي أصبحت جزيرة سيماكاو الاصطناعية، ولأن
ذلك الرماد المنتج من عملية الحرق هو رماد عضوي لأن النفايات البلدية هي
نفايات عضوية، فانها صديق للبيئة بل ويساعد في زيادة خصوبة وانتاجية
التربة، وبذلك أصبحت هذه الجزيرة الاصطناعية جزيرة خضراء رائعة تستوعب
نفايات سنغافورة كلها حتى سنة 2040، وكلفة بناء هذه الجزيرة الاصطناعية
كانت أربعمائة مليون دولار.
مثل هذا الحل المتكامل يأتي من دراسة شاملة وعميقة للمشكلة، ومن التوازن
الدقيق بين المجتمع والبيئة والاقتصاد في منظومة الاستدامة، وقد كلفت
الفكرة الحكومة السنغافورية مليار دولار أميركي، ولكن المردود الاقتصادي
أكبر وأكثر من هذا المبلغ، وذلك بسبب توفير مساحة سكن في جزيرة سنغافورة،
وخلق مساحة إضافية هي جزيرة سيماكاو الاصطناعية إذ انها ستتحول إلى جزيرة
سكنية جاذبة للسكان بسبب جمالها ونظافتها! وتوفير طاقة كهربائية أساسها
النفايات، والمحافظة على البيئة.
مرة أخرى، لا تعني الإشارة إلى هذا النموذج الاعتماد على التقليد المباشر،
بل الاستفادة من طريقة وستراتيجية التعامل مع المشكلة بحلول مبتكرة أساسها
حاجة المجتمع المحلي، تلك الحاجات كلما كبرت وتوسعت، كانت الحلول أكثر
إبداعاً، حين تكون هناك دراسة شاملة وفهم حاجات المجتمع المحلي، ووضع خطة
قابلة للتطبيق، لرؤية مستدامة في حل يربط المجتمع مع البيئة والاقتصاد.

