ثقافة وتعليم

الفلسفة ابتدأت قصائد

بغداد/ شبكه الساعه الاخباريه العراقيه.

ياسين طه حافظ

يقال ان الفلسفة بدأت قصائد والأخيرة بدأت تساؤلات ثمَّ أدركت ضرورة
استمرار الحياة فلامست الحكمة. وهنا انتبهتْ للمصير خاتمةً فأوجدت المصائرُ
ملاحمَ من ثمَّ غناءً يحتفي أو يرثي يُستعان بها في العزلة أو لإعلان
البهجة.
كانت البدايات أخباراً (من أخبر يخبر…) جملاً خبريَّة سمَّاها النحويُّون، عمَّا يُرى أو يُسمع أو يُحسّ قبل أنْ تقف أسئلة.
قصيدة اليوم أكثر اشتباكا لتعدد الأسئلة، لاشتغال الخيال على حالات الذات
وحالات الجوهر. القصائد التي ما تزال أخباراً، تلتحق بالجمل الخبريَّة عن
المرئيات والمحسوسات، تلك التي غادرناها في الشارع والسوق وتفاهمات العمل
ومن بعد للصحافة وكتابة التقارير.
بدأ الاهتمام مبكراً بالإلياذة والاوديسة، (الاولى 9895 بيتا بصور وإيقاع
والثانية 12110 أبيات بصور وإيقاع). لماذا الاهتمام؟ لأنها انتباه رؤيوي
مبكر. لأنها أول انفتاح باهر على الذات والخارج وحملتا معاً الشعور الخاص
والأنا المحكوم بالتسلُّط. سمة حداثة هذه! لقد احتفتا بالمعرفي والقيمي كما
توجبه لحظة الحضور عند راويها.
في هاتين الملحمتين، كما في المعلَّقات الجاهليَّة، لا مسافة فاصلة. بين
الأنا في المواجهة والواقع. يمكن القول، هذه أول مرَّة يحضر المعرفي من
خلال الجمالي وبشكل واسع. وفيهما حضرت الفلسفة ضمن المواجهة اليومية،
حضوراً أو توقُّعاً أو تهيؤاً، فلسفة هي ناتج قراءة أو خبرة.
تفاصيل حياة العرب في شبه جزيرتهم وتفاصيل حياة الإغريق التي لا تبتعد
كثيراً عن البحر، تتخللان طبيعة النظر إلى الأشياء (قصائد). أو النظر في
الأشياء (حكمة أو فلسفة)، في كلِّ الأحوال لم يكن شعراً فارغاً، لغواً
يومياً، كان فنَّاً في نظام اللغة وفي صياغة المعنى. كان تعبيراً خاصاً عن
الواضح الذي استوجب كشفاً آخر استماله الشعر، استدرجه، ليجعله فنَّاً!
خلاصة هذا لا شعر مهمَّاً لا ينبثق من ثقافة ولا شعر يخلو من المعرفي.
المعرفي هنا لا يمتلك جمالية إلَّا إذا صار مكوَّناً فنيَّاً، شعريَّاً على
التحديد. وهكذا نبتعد عن المنظومات العلميَّة.. في الشعر، الحذرُ شديد من
أن تستغوينا الكلمات إلى وجودها “الإخباري” لا نسمح لمجرد الكلام، للعادي،
أن يُسقِط الحدسَ، أن يُذِلَّ التجربة، أن يغلق الأفق.
الجاهلي رأى فجراً وعاش الانتباهات صافية واضحة، فما ترك الخبرَ لغةً حسب،
كانت الذات في المعلَّقات تقول العالم حولها مثلما كانت الملاحم. رصف
الكلام في العادي قد يؤدي فعلاً. لكنَّه فعل الإخبار النثري لا الانفعال
الشعري. الروح معطّلة هنا والخيال لا دور له. هذا يعني الافتقار إلى الرؤيا
وجمال المعنى وهو منتهى الفقر!حين لا يُحسن الصائغ عمله وحين يكون أداءه
آليَّاً، لا يبتدع تحفةً لا تخرج من يديه أعجوبة تكشف للكون عن إعجاز
صنعَهُ الامتياز. نعم، طريق الإنجاز يرتضي مستويات. لكن المستويات الجمالية
تغذيها مستويات ثقافة والثقافة دائما يصحبها الانتباه. لذلك لا يريد
المثقَّف كلاماً، يريد شعراً، دلالة أو صورة! من السطور الإخبارية نريد
دلالة أبعد ومن السطور الاستعارية تريد الصورة التي ابتدعها الفن. غيابهما
يعني غياب الشعر! فدعوا كلام الباعة في السوق. والإخبار للصحف ولنذكر
المجدَ المبكِّر للشعر، فنقول: الفلسفة ابتدأت قصائد!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى