مقالات

الثلاثي المنقذ!

بقلم: عادل العامل
 إذا كانت السلطة القائمة في العراق اليوم جادة حقاً
في إقامة عراق جديد مستقر ونظيف من ألغام نصف القرن الماضي، أو في الواقع
إنقاذه مما هو فيه اليوم من علل على مختلف المستويات، فإن هناك ثلاث
أولويات ينبغي التركيز عليها بل والشد عليها بالأسنان من دون تردد ولا
تأجيل، ومن دون إهمال أيضاً لمتطلبات الإنقاذ الأخرى:
1- إصلاح التعليم بإدارة مدرسية نزيهة وحازمة، ومناهج مدرسية قائمة على
التأهيل العلمي والتربية الأخلاقية المتنورة والانتماء الوطني الواحد،
ومعلّم يكاد يكون رسولاً حقاً بكفاءته وإخلاصه و سلوكه الحميد.
2- تنظيم إدارة الدولة وفقاً لمقولة الرجل المناسب في المكان المناسب، التي
ينادي بها الجميع ولا يريدهاً فعلياً أحد، كما يبدو، لأنها لا تتفق
والمحاصصة، والتأثير العشائري، والطائفي، والشخصي النفعي في مقدرات الدولة،
مع أنها أنفع للجميع في نهاية الأمر، ولن ينصلح حال العراق إلا بها .. لو
كانوا يفقهون!.
3- ضبط النمو السكاني، على أسس علمية، واجتماعية، واقتصادية، وليس بعقلية
الاتكال الغيبي المعروفة التي لم تنفع أحداً في واقع الحال ولا حالت دون
وقوع المشاكل الكبرى التي عصفت بالعراق، من الهجرة الجماعية من الريف، إلى
الانقلابات العسكرية، وكوارث الدكتاتورية البعثية، والاحتلال الأميركي
البغيض، إلى ظاهرة “داعش” التي ما كانت لتحدث في تقديري لولا هذا التكاثر
السكاني السائب الذي أفرز حواضن لها هنا وهناك بفعل التهميش، والإهمال،
وفقدان المناعة
الوطنية.
فالكثرة تزيد الاحتكاك التشنجي بين الناس، وتدفع للتكالب على فرص العمل
والكسب والمنافع الأخرى، وللحصول عليها بأساليب مختلفة، منها الوساطة،
والرشوة، والتزوير، وتؤدي بالتالي إلى إشاعة الفساد، والضغينة، والحقد،
والانحطاط الأخلاقي والجريمة، وانعدام الولاء للوطن، خاصة إذا اختل حال
الموارد، وساءت الإدارة العامة، وتفشّت المحاباة واللامبالاة، واستغلت
الدول الاستعمارية ذلك كله لتنفيذ مخططاتها المعدَّة سلفاً بأية وسيلة
كانت، سواء بمساعدة من عملائها المحليين، وهم كثرٌ بعد الاحتلال الأميركي
للبلد، أو بتسليط المصائب عليه، كالتخريب الاقتصادي، وإثارة النعرات
الطائفية والفتن الداخلية، والدفع به إلى حروب خارجية، وتوريطه بميليشيات
أو عصابات إرهابية.
و لو أجرينا مقارنةً بين العراق والدول المماثلة له في حالة عدم الاستقرار،
والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بالرغم من ثرواتها الطبيعية الوافرة،
مثل باكستان ونيجيريا، وبين العراق ودولٍ لا تعاني من اضطراباتٍ حادة، مثل
بيرو و نيوزلندا وتنزانيا، لوجدنا التالي:
أن الكثافة السكانية للعراق، البالغ عدد سكانه أكثر من 30 مليون، هي حوالي
(83 نسمة / كم2 )، و للباكستان البالغ عدد سكانها حوالي 196 مليون ( ٢٠٦
ن/كم2 )، و لنيجيريا البالغ عدد سكانها أكثر من 177 مليون ( حوالي 167 ن/
كم2 ). بينما نجد الكثافة السكانية في تنزانيا ( 41 ن/ كم2)، و في بيرو (
23 ن/ كم2 )، و في نيوزيلندا ( 16ن/ كم2)!
و مع أن هناك بالتأكيد عوامل أخرى لسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية
والأمنية، أو جودتها عموماً، في بلدٍ ما، فإن للكثافة السكانية، بالتأكيد،
دوراً مهماً في هذا الإطار. وعلينا أن نعرف أن الكثافة السكانية لبلدٍ ما
تُحسب بتقسيم عدد السكان على المساحة العامة بما تشمله من مدن وأرياف
وصحاري ومياه وفضاءات غير مأهولة، وبالتالي فإنها ستختلف تماماً لو قسّمنا
عدد سكان كل منطقة أو مدينة على مساحتها، وهو الذي يهمنا في تأثيره الفعلي
على أحوال الناس.
نقول هذا للتنبيه على أن العراق بحاجة عاجلة الآن، وعلى الدوام، إلى ضبط
تكاثره السكاني، وأنه سيكون أحسن حالاً من دون شكٍ بعددٍ من السكان يتناسب
ومساحته المأهولة، وقدراته الفعلية، وآمال أبنائه في عيش كريم سعيد ووطنٍ
مستقر زاهر، فذلك أفضل بالتأكيد من ترك الناس يتناسلون على هواهم غير
مدركين لعواقب ذلك عليهم، وعلى أطفالهم، وعلى بلدهم بوجهٍ عام، فالكثرة
وعدمها سواءٌ، إن لم تكن أسوأ، ما لم يكن هناك ما يضبطها ويوظفها لأغراض
وطنية محددة مدروسة من أجل خير الوطن وأبنائه، في المقام الأول

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى