في كتابه الجديد (عصر السرد) علي كاظم داود: للناس شغف كبير بالحكاية
السرد) من خلال البحث عن جماليات السرد وشعريته، رابطاً بينه وبين أكثر من
محور مثل الشعر والمقالة والحياة والهوية والسفر، مقسماً كتابه إلى ثلاثة
فصول: السرد في فنونه المعاصرة، السرد والفنون الأخرى، والسرد والحياة.
كاظم الذي فاز كتابه (شعرية الحدث السردي) بجائزة الشارقة في العام 2013،
أصدر أيضاً مجموعة قصصية في الإمارات بعنوان (تشتعل ولا تضيء). عن كتابه
وآليات اشتغاله، كان لنا معه هذا الحوار:
“شعر الدنيا الحديثة”
* كانت ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تعد زمن القصة العربية، إذ برزت
أسماء مهمة شكلت نماذج جديدة في هذا الفن، ومع هذا لم يسمَ ذلك الزمن بزمن
القصة، في الوقت نفسه أصبح السعي لكتابة رواية مثل الماراثون، لهذا أطلقوا
عليه زمن الرواية… لماذا تصر على تسمية هذا الزمن بعصر السرد؟
ـ في كتابه “زمن الرواية”، ينقل الناقد جابر عصفور مقولة للروائي نجيب
محفوظ كتبها في حدود منتصف القرن الماضي، يقول فيها أن «القصة هي شعر
الدنيا الحديثة» وهو بذلك يشير إلى تقدم الفن القصصي على حساب الشعر.
فالتدقيق في المقولة لا يفضي إلى أن القصة بوصفها نوعاً سردياً، هي
المقصودة، بل المقصود هو القصّ أو الجنس السردي أو الظاهرة السردية بشكل
عام.
فكرة كتاب «عصر السرد» تشكلت لدي منذ مدة، فعملت على استقرائها وإثباتها في
كتابات عديدة، وهي تدور حول تقدم وبروز الظاهرة السردية، بتقدم فنونها على
بقية الفنون، ومن ثم بتغلغلها وتداخلها مع بقية الفنون والأنواع الأدبية
الأخرى، وقدرتها على التماهي والتمازج واستثمار مختلف الأنشطة والظواهر
الحياتية الدالة سردياً.
صحيح ان بعض النقاد قالوا بتقدم الرواية، وان هذا الزمن هو زمن الرواية أو
عصرها، لكنهم أغفلوا أن الرواية هي بنت السرد ونوعه المفضّل، وتقدُّمها على
بقية الأنواع السردية لا يحط من مكانة تلك الأنواع ورقيّها الإبداعي، كما
أنه لا ينفي حضور السرد في مفاصل الحياة وتفاصيلها، وتفاعله المنتج معها،
فضلاً عن تداخله مع فنون القول الأخرى.
الرواية هي الأكبر والأكثر جاذبية، لكن كل شيء في هذه الحياة بات ممكناً
للتسريد، أي أن كل ما يحيط بالإنسان ويدخل ضمن مدركاته هو قابل للتسريد، أو
ان فعل السرد يمكن أن يتخلله، فتنوجد إثر ذلك تنويعات سردية جديدة. وليس
أدلُّ على ذلك من تغلغل السرد في مختلف المجالات الإبداعية والمعرفية،
وإضفاء مسحته التشويقية المميزة على الشعر والصحافة والإعلام والإعلانات
والرسم والتصوير وغيرها. كما شهد السرد، على مستوى فنونه الأساسية، في
عصرنا الحاضر، تطوراً كبيراً، ودخلته تقنيات عديدة وشعريات مبتكرة، دفعت به
إلى الصدارة في مضمار الفنون التعبيرية، فأصبحت الرواية والقصة القصيرة
والقصة القصيرة جداً من أوسع الأنواع انتشاراً، كتابة وتلقّياً، والرواية
منها بالخصوص، إذ بات الإقبال عليها سمة فارقة من سمات نشر وتوزيع الكتاب
في السنوات الأخيرة.
علاقة تبادلية
* حاولت في كتابك البحث عن علاقة السرد بالفنون الأخرى وشؤون الحياة، ما الرؤى التي حاولت تقديمها من خلال هذا الربط؟
ـ في الفصلين الثاني والثالث من هذا الكتاب قمت بتقديم مداخل عامة لمحاور
قرائيّة متعددة، تتجسد في- وتنبثق من- علاقة السرد ببعض الفنون والآداب،
وبعض شؤون الحياة المعاصرة التي ترتبط بالسرد ارتباطاً وثيقاً، وهي علاقة
تتسم أو تغلب عليها الطبيعة التبادلية، فقد أدت إلى إنتاج أنماط جديدة من
الفنون السردية، أو بلورة رؤى جديدة في إطار السرد وفنونه، كما أوجدت
أنساقاً تعبيرية مستحدثة سواء في الفنون السردية نفسها، أو في تلك المجالات
التي تفاعلت معه.
من خلال هذا الربط يمكن أن نستنتج أن الناس باتوا محكومين بهاجس الحكاية،
أي أنهم يريدون أن يحكوا للآخرين، وأن يُعبّروا عمّا يتحرك في أذهانهم وما
يرونه بخواطرهم وأعينهم. يريدون أن يرووا ما جرى ويجري، أن يُسمعوا العالم
قصصهم، ليس بفن الرواية فقط، بل بكل وسائل التعبير الأخرى.
* في الفصل الأول من الكتاب بحثت في الرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة
جداً والومضة القصصية، غير أنك لم تغص كثيراً في آليات بناء كلٍّ منها؟
ـ من المعروف أن هذه الأنواع المشار لها تنضوي تحت جنس أدبي واحد هو السرد
أو القصّ. وهي تشترك في كونها الممثل الإبداعي الشرعي للظاهرة السردية،
وبتقدمها واكتسابها أهمية في عالم الكتابة والتلقي، فإنها تخبرنا بما لا
يقبل الشك بأن هذا هو عصرها. فلم تكن غايتي من الحديث عنها البحث في
خصائصها النوعية أو أنماطها الفنّية أو آليات بنائها وتشكيلها، بل تقديم
رؤى عامة عنها تصب في صالح موضوعة الكتاب.
الرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً وحتى الومضة القصصية كلها فنون
سردية أساسية تخييلية، تمتلك خصوصياتها الفنية بحسب ضرورات الحجم. أي أن
أساس ومنطلق التباين بين هذه الأنواع السردية هو
الكمّ اللغوي، ومنه تنبع الخصائص النوعية الأخرى. من أجل ذلك نجد
تداخلاً واضحاً في أساليب التعامل معها، على المستويين الإبداعي والنقدي،
فهي تعود إلى أصلٍ إبداعي واحد،
وهذا أيضاً كان مبرراً للتمثيل بانموذج واحد في كل محور من محاور الكتاب،
لأن الهدف هو إبراز الجنس السردي أو الظاهرة السردية عموماً وليس نوعاً
محدداً منها.
لغة نقدية ميسرة
* كان كتابك النقدي السابق (شعرية الحدث السردي) يعمل على سردية الكتابة
النسوية وبلغة أقرب إلى الأكاديمية منها إلى لغة كتابك هذا، فقد حاولت أن
تشتغل على لغة بسيطة وقريبة من الشعرية بعيداً عن لغة النقد المفاهيمي
والنظري؟
ـ في كتاب «شعرية الحدث السردي» حاولت إنجاز دراسة متخصصة في هذا المجال،
التزمت إلى حد ما، في شقيها النظري والتطبيقي، بمحددات منهجية متعارفة في
الدرس النقدي. أما في هذا الكتاب «عصر السرد» فقد سعيت إلى التحرر من أية
قيود أو محددات، واتجهت إلى اللغة النقدية السهلة والميسّرة وحتى الأدبية
أحياناً، بهدف الاقتراب من القارئ العادي، وعدم الاقتصار على قراء النقد
المتخصصين، وهم فئة قليلة من بين القراء بطبيعة الحال. وقد تمرّدت لغة بعض
موضوعاته على اللغة النقدية المعهودة، واتجهت إلى اللغة الأدبية؛ بسبب
طبيعة الموضوعات التي عالجتها، لكنها لم تخلُ من الرؤية النقدية المطلوبة
فيها. من أجل ذلك كله لم يحتكم هذا الكتاب إلى معايير منهجية معينة للبحث
والتطبيق، بل تعمّد التحرك في مساحة حرة، فاسحاً المجال أمام التأمل
والتفكير بصوت مرتفع، بغية الكشف عن جماليات جديدة في هذا الجانب من
الإبداع. الكتاب يسعى لتقديم المتعة القرائية والفائدة المعرفية، وهذان
الموجّهان هيمنا على ظروف إنجازه. وقد عمل على تأكيد حضورهما من خلال سياحة
نقدية تأملية وتأويلية في الفنون السردية والفنون الأخرى التي أسهم السرد
في تكوينها، وكذلك في تفاعل السرد مع مظاهر الحياة وموضوعاتها، وطبيعة
حضورها في فنونه.


