ثقافة وتعليم

السرد المفتون بذاته

بغداد/ شبكه الساعه الاخباريه العراقيه.
د. رسول محمد رسول

تنتمي رواية (اعترافات زوجة رجل مهم) للقاص والروائي العراقي ناطق خلوصي،
والصادرة عن دار ميزوبوتاميا في بغداد سنة 2015، إلى سرديات ما بعد التغيير
في العراق، ذلك الانتماء الذي أصبح ظاهرة مزدوجة الحضور من حيث الشكل
والمضمون، أو من حيث أسلوبية السرد والموضوعة المسرودة بمقتضاه؛ فملفوظ
“اعترافات زوجة”، وكما ظهر في عنوان الرواية، يوحي باستدراج عالم الكتابة،
كما تمارسه “كوثر” فعلياً من داخل الحكي حتى يضعنا الناص المركزي أو ناطق
خلوصي في صلب (السرد المفتون بذاته)، السرد الذي يحتفي بكينونته حتى
يحوّلها إلى موضوعة أو عامل مسرود من داخل الحكي؛ هو وجود إبداعي متخيَّل
وقد تحوَّلت كينونته المحضة أو الأساسية إلى موضوعة حكائية من خلال تمفصلها
في مسالك أجناسية جمالية حكائية كالقصَّص والروايات والمسرحيات، تلك التي
تتضمَّن حكاية تالية أو حكايات داخل حكاية كبرى يدخل فيها معمار الكتابة،
وأحوال الكاتب، والقارئ، والمقروء، والناقد، والناص أو المؤلِّف، والناشر
والنشر والمنشور، والمخطوطات، والملفات، والرسائل، والمظاريف، والصور
الفوتوغرافية، واللوحات التشكيلية، كفواعل وعوامل مسرودة في عمل إبداعي
متخيَّل وممهور بعنوان مركزي هو عنوان لقصَّة أو رواية أو مسرحية.
يوحي ملفوظ “رجل مهم”، وكما يرد في العنوان أيضاً، بموضوعة سياسية كما
سنكتشفه لاحقاً إذا ما توغّلنا في دروب المتن الحكائي، لا سيما أن الراوي
الذي افتتح ذلك المتن سرعان ما يضعنا في أجواء زمكانية تنتمي إلى مرحلة ما
بعد 2003، بكل ما تحمل من دلالة تحيل على التغيير الجذري الذي جرى؛ فالرجل
المهم جاء على متن طائرة من الخارج، وسكن مع زوجته، في منزل فاره لا يُعرف
صاحبه- من النظام السابق- الذي كان يشغله قبل التغيير، كما أن عبارة “لا
خبر عن تفجير ما أو إطلاق رصاص” :5، تكفينا مؤشراً على حالة الزمن المعاش؛
زمن ما بعد التغيير.
غياب الزوج عن زوجته وعن منزلهما، وغربة الزوجة عن الزمكان الذي تعيشه،
أدّى بها إلى استحضار الماضي عبر تجربة الكتابة عن الذات (ذاتها) الأنثوية
في محاولة منها لاستعادة الزمن، الذي لم تكن فيه غريبة على ذاتها، كما هي
في الحال الذي تعيشه على نحو غير أصيل.
عودة الزوجة إلى كتابة ما جرى لها منذ أن كانت صبية في مرحلة الدراسة
الثانوية، منذ أن تعرفت إلى زوجها الحالي (فاخر) وجارها في السابق، الذي فض
بكارتها قبل الزواج بها رسميا، حتى لتبدو الرواية الداخلية أو الرواية
التالية، بحسب تعبير جيرار جينيت، استكمالاً لحاضر معلوم.في (اعترافات زوجة
رجل مهم) ثمَّ راو عليم غير مشارك في الحكي، وفي الرواية الداخلية أو
اعترافات (شهد) ينساب السرد بضمير المتكلم، وهو شأن كتابة المذكرات إلاّ ما
ندر. تبدأ الرواية أحداثها من حاضر معاش؛ زوجة اسمها (شهد)، وزوج اسمه
(فاخر) جاء مع القادمين بعد التغيير..؛ إسلامي شبه مقعد، له أفراد حماية،
ومساعد شخصي (شرهان) له حضوره العملي في هذه الأسرة الصغيرة.
في الرواية الداخلية (مذكرات) تبدأ (شهد) كتابة علاقة الحب الأولى التي
جمعتها مع (فاخر) شقيق صديقتها وجارتها (كوثر)، ومن ثم زواجها، وبالتالي
سفرها إلى تركيا مع زوجها فاخر، لتمضي كتابة فصول العيش خارج الوطن الذي لم
يكن يروق لفاخر.
مع (اعترافات زوجة رجل مهم) لا يشعر القارئ بالضجر؛ فالمناورة بين حكاية
المتن الرئيس والانتقال إلى كتابة مذكرات الرواية الداخلية تبدو مريحة
بأحداثها، حيث العودة إلى ماضي الشخصيات غالباً ما يفسر حاضر عيشها، وراهن
وضعها وحالها في ظل متغيرات جوهرية ألقت بظلالها على وطن الشخصيات المشاركة
في أحداث ما يجري.تصور هذه الرواية تجربة الحب والخداع، تجربة الرحيل عن
الوطن فراراً من الخراب، والعودة إليه برسم الخراب ليولد الخراب الجديد
فيولد الرحيل عنه من جديد. تلك المناورة في العيش على حواف الوطن، على تخوم
الرحيل عنه والعودة إليه بأكثر من ألم، وجدت استقرارها الجمالي في تجريب
السرد المفتون بذاته، الذي غالباً ما يمنح الروائي حرية الاستعانة بأكثر من
نمط سردي في تجربة روائية واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى