مقالات

الإنذار الأخير

بقلم: د.جاسم بديوي
  لا شك أن استقرار أي بلد ما
يعتمد على علاقاته الخارجية وعلى مبدأ التفاهمات مع المحيط الإقليمي على
وفق احترام السيادة المتبادلة وتعزيز الاستقرار والمصالح المشتركة، وفي
حالة العراق المتشابكة والمعقدة والمتداخلة يبدو انتهاج سياسة خارجية جديدة
مطلبا ضروريا لرسم محددات ومستويات التعامل المشترك.
وقد شهد الأسبوع الماضي جدلا في الأوساط الإعلامية والسياسية تمثل في زيارة
ثلاث شخصيات فاعلة في “اتحاد القوى العراقية” إلى الأردن ما فتح المجال
لإثارة العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات وافية، وقد خضعت منطلقات
وأهداف الزيارة إلى الكثير من التكهنات والتأويلات وصلت الى حد توجيه أصابع
الاتهام لها، ومن هذه الاتهامات هو التوسط من اجل تدخل الأردن عسكريا في
الانبار، وعلى الرغم من لاواقعية الخيار وربما الاتهام أيضا، فإننا لا نشك
أن هناك مشكلة في التعاطي مع ملف تحرير الانبار من “داعش”، وأساس هذه
المشكلة هو الانقسام السياسي والاجتماعي للأنباريين أنفسهم لا سيما في قضية
الاستعانة بقوات الحشد الشعبي التي تثير حساسية الكثير من قادة “اتحاد
القوى العراقية” في الانبار والموصل لا سيما بعد استكمال تحرير تكريت،
ولتلافي هذه الحساسيات ارتأت بعض تلك القيادات تأسيس كيان عسكري خاص من
أهالي تلك المناطق كي يكون معادلا موضوعيا يقابل مؤهلات
وإمكانيات الحشد الشعبي.
ومع تطابق هذه الرؤية مع رؤية المرجعية الدينية الداعية الى ان اهل تلك
المناطق هم الأولى بتحريرها، إلا أنها سوف تصطدم بعقبتين أساسيتين في
تكوينها: الأولى هي عقبة سياسية تتلخص بمدى عمق الانقسام بين قيادات المكون
السني العشائرية والحزبية واستحالة توصلهم الى أرضية يؤسس عليها قرار
مشترك.
اما الثانية فهي العقبة القانونية، بضرورة رجوع اي تكوين عسكري الى مرجعية
الدولة ورئاسة الوزراء تحديدا كما هو الحال في الحشد الشعبي التي اصبح هيئة
تشرف عليها السلطة التنفيذية في الدولة، وافرزت هذه النقطة خلافا حاول
مؤيدو اقلمة العراق الى جعله نواة لتأسيس حرس وطني “سني”، بمقابل
“البيشمركَه” في اقليم كردستان.
وبين هذا وذاك يرتبط تأخر الحسم في الانبار بإرادات سياسية، وبغض النظر عن
أحقية او عدم أحقية تلك الإرادات، يبدو ان الجميع متفق ان اللحظة مؤاتية
لفتح باب الحوار لمرة قد تكون الاخيرة لدعوة الفعاليات التي لا تدعم
الحكومة العراقية في الاردن الى اعادة النظر في حساباتها للإسهام في
استقرار محافظاتهم، وارى انها خطوة جيدة نحو توسيع مساحة الحوار الذي أشار
إليها الاتفاق السياسي، إن حسنت النوايا، وإلا ماذا جنى وحصد جمهور سياسييّ
الفنادق الفاخرة ونجوم فضائيات الكراهية غير الدمار والخراب؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى