أقنعة الإرهاب
الكثير منا لا يدرك أن الإرهاب هو قناع سياسي لعملية اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، معقدة. وظاهرياً لاتحجب الأقنعة الوجوه الإرهابية فقط، أي المنفذين، إنما تحجب الجهات التي تموّله وتنتجه وتسوّقه وتحوّله إلى رموز واشارات. فالذي يمارس الإرهاب، لا يعرف أهداف من يموّله، ولامن يسوّقه للمستهلكين، ولا من هي الجهات التي تؤدلج له، وتحول عمله إلى رموز وإشارات. فالجهات الإرهابية تطرح بضاعتها بأغلفة لسانية مسندة إلى الدين تارة، وإلى الطائفة تارة أخرى، وإلى التراث تارة ثالثة، وهكذا تجدد بضاعتها كلما بليت بضاعتها القديمة.
فمن أجل تسويق الإرهاب وتحويله إلى مصدر مالي ضخم، يصطادون الخبرات التقنية لزراعته ومداراته، ومن ثم جنيه وطرحه، بعد تغليفه بثقافة محلية، في الأسواق، فالإرهاب بضاعة، وبضاعة مربحة جداً، وتنتج في حقول معدّة خصيصاً لتخصيبه، وتسوّق لأسواق معدّة سلفاً، بضاعة بأسعار متنوعة: منها الغالي الثمن كالدبابات والفضائيات، ومنها رخيص الثمن كالأزياء والأعلام، ومنها ما هو فكري عميق لا يطرح إلا للخاصّة كالايديولوجيا المبررة له. وفي كل الأحوال تغلف بضاعة الإرهاب بأغلفة شعبية محلية مبهرجة. أما أدوات إنتاجه فهي: زراعة الإشاعة، تهيئة الأسوق المالية للشراء، تسعيرعال للعامة من الناس، اعتماد ثقافة ايديولوجية وموشاة بأصول فقهية ودينية، استغلال زيادة العطالة بين الشباب، تسويق رموز ايديولوجية لحماية التكفيريين. أما المستهلكون؛ فهم بسطاء الناس الذين يعتقدون بالخرافات.
وهكذا، كلما تعددت حقول انتاج الإرهاب محلياً، تعددت أسواق استهلاكه، وازدادت أرباحه المالية، وكثر المتعاملون معه، ومن ثم تحول إلى تجارة لبضاعة تسوّق لأمكنة أخرى في العالم،عندئذ يصبح الإرهاب حقيقة دولية، لها ثقافتها وإعلامها، وطرق استهلاكها. ويتحول الإرهاب إلى بضاعة لتصريف مقولات فكرية ينتجها محترفون، ويمولها رأسمال كبير، ويحصد أرباحها متنفذون وأمراء حرب. وكما هو شأن المرتزقة الذين يعتاشون على بضاعة الإرهاب، يكون شأن المستهلكين.
إذا كان الإرهاب يؤدي وظائفه على نحو فعّال، كما هو قائم اليوم، سنجد القائمين عليه يتفننون في تسويقه، وبعد أن يضع الإرهاب قدما ما في الأسواق ويصبح الإرهاب بضاعة رائجة، يستبدلون بضاعتهم برموز: دينية، سياسية، تراثية، تاريخية، ويكون زعماؤهم من صنف الرموز نفسها، وكل رمز سيصبح بضاعة متفق عليها من قبل المنتج والمستهلك: عندئذ يتحول الإرهاب إلى:( نفوذ، نقود، أسلحة، مواد كيماوية، عملات أجنبية، فضائيات مروجة، ضمانات اقليمية، فئات اجتماعية، ثارات قديمة، نشاط اقتصادي، تنافس بضائعي، إعلانات…الخ).
وكل هذه الرموز تتحول إلى عملات اقتصادية، أي بضاعة يمكن إعادة إنتاجها وتغليفها بأغلفة محلية ومن ثم تسويقها ثانية لمكان آخر. وبالطبع سيجد الإرهابيون من يشتريها، ليبادلها ببضاعة أخرى، وهكذا يتسع نشاط السوق الاقتصادي للإرهاب، وهناك من يحتكرها لأزمات مقبلة. والخلاصة، ان هذه الرساميل تسوّق الإرهاب بتزكية إجماع المنخرطين فيه باعتباره نضالاً، ويبدو ثمة توافق على آليات إنتاجه ثقافياً، أي أن يكون مقبولاً كي يصبح بقيمة تسويقية وانتاجية مميزة، فمن خلال المال، والمال فقط، يمكن للعمل الإرهابي أن ينتشر.
لا تقف عملية الإرهابيين عند تسويق بضاعتهم فقط، إنمّا بوضع بطاقة، كإشارات ذات معنى لتسعير خاص للجهات المستهلكة، ففي العراق مثلاً، توضع بطاقة تسعيرالطائفية، وفي سوريا بطاقة تسعير القومية، وفي المغرب بضاعة تسعير الخصوصية المغاربية، وفي افغانستان بضاعة تسعير الاحتلال السوفيتي، وفي باكستان بطاقة تسعير العلمانية، وفي الشيشان بطاقة تسويق القومية، وهكذا بتنوع الأسعار، وبتعدد الإشارات والرموز، وبتسويق السلعة، يزداد عدد المستهلكين، ويتحول الإرهاب إلى مصدر مالي مربح، ومربح جدا، ومن ثم يكسب رموزاً اقتصادية واجتماعية جديدة.
الخطر كل الخطر، أن يصبح الإرهاب موضوعاً أساسياً لجشع البشر، لأن المال الذي انتج الإرهاب سيتحول إلى سلع كما تقول الأدبيات، ثم يتحول المال إلى ىسلطة، وهذا ما نشهده اليوم، من أن دويلات صغيرة، تحمي وجودها بسلطة المال، وكما يصف بورديار ثقافة المال المتحول إلى سلطة بـ “الثقافة الغائطية”، أي “المال قذارة”. وهكذا نجد أن منتجي الإرهاب، يمعنون في الإسراف المالي، كي يمهدوا الطريق لهيمنة اقتصادية في المنطقة.


