ثقافة وتعليم

دَري هو ألا أعرف أيّ شيءٍ، تقريباً

قدَري هو ألا أعرف أيّ شيءٍ، تقريباً
 ولد الشاعر البرازيلي مانويل دي باروس، الذي يعد واحداً من أعظم الأسماء في الشعر البرازيلي، في كويابا، عاصمة ولاية ماتو غروسو، في كانون الأول من العام 1916. وصفه مواطنه الشاعر كارلوس دروموند دي أندراده: 1902 ـ 1987 (وهو أيضاً أحد أهم شعراء الحداثة في البرازيل)، بشاعرالبرازيل الأكبر. عاش مانويل دي باروس حياته متواضعاً، مكافحاً لاستخلاص ما أسماه”روح الكون”. تفصح قصائده وسيرته بأنه كان قريباً من الأرض، يتأمل الطيور والعناكب وصغار النمل، يفكر في أنه كيف لفراشة ترى العالم وتستمع لشدو الطيور دون أن تشعر أنها خبيرة بها.

قارنه البعض بفرنسيس الأسيزي، القديس الذي تكلّم إلى الطير، الذي يسمى في عصرنا الراهن بحامي الحيوانات. عمل مانويل دي باروس، لسنوات عديدة، كمربٍ للماشية، في بانتانال في ماتو غروسو دو سول والتسمية تعني الغابة الجنوبية الكثيفة وهي منطقة استوائية رطبة ومترامية. التحق بالجامعة في ريو دي جانيرو لدراسة الحقوق التي حاز شهادة التخرج فيها العام 1941. سافر وأقام في بلدان عديدة من أميركا اللاتينية مثل البيرو وبوليفيا. كما سافر إلى الولايات المتحدة، البرتغال، ايطاليا وفرنسا. لم تقتصر اطلاعاته الأدبية على ماهو كلاسيكي في كل العصور، بل عززها بما هو حداثي: رامبو، الأب انطونيو فييرا، بورخس، أوزوالد دي اندراده، سترندبيرغ وآخرين. مجموعته الأولى صدرت العام 1937 بعنوان “قصائد ظهرت بلا خطيئة”. صدر له ما يقارب العشرين مجموعة شعرية. اعتنى الشاعر بعنونة كتبه فامتازت بجماليتها وبعدها عن ما هو معتاد، منها على سبيل المثال: “خلاصة وافية لأجل استعمالها من الطيور”، “قفاز الفجر”، “ترتيب الصفير”، “حارس الماء”، “كتاب حول لا شيء” و”تمارين في أن تكون طفلاً”. تُرجمت قصائده الى الألمانية والإنكليزية والإسبانية والفرنسية والسويدية. حاز العديد من الجوائز من بينها الجائزة الوطنية لوزارة الثقافة البرازيلية العام 1998 وهي أكبر جائزة أدبية في البرازيل. في العام 2010 نُشرت أعماله الكاملة في البرازيل والبرتغال وعبرها يمكن رصد تطور الشاعر. كتب أيضاً للأطفال وقد صدر له عدد من الكتب في هذا المجال. أطلق عليه العديد من الأدباء، في حياته، لقب أعظم الشعراء البرازيليين الأحياء. توفي الشهر الماضي في كامبو غراند عن 97 عاماً. 

حجر

كما لو أني حجر

أحبّ أن أستلقي على الأرض

ألتقي، فقط، السحالي والفراشات

بعض المحار يطلب الحماية لدَي.

في شقوقي تنمو الأشنات.

صغار الطيور تأتي كي تشحذ مناقيرها.

في بعض الأيام يقف عليّ طائر مالك الحزين 

وفجأةً يقول كلمة ثناء.

ثمة امتيازات أُخرى في أن أكون حجراً:

أ ـ أُثير صمت الحشرات.

ب ـ يُضيئني القمر في وحدتي.

جـ ـ أغتسل في ندى الصباح.

د ـ والشمس تزورني قبل الجميع.

نمل

لست بحاجةٍ لأن أقرأ بولص، أوغسطين

ايرونيموس، ولا حتى توما الإكويني

أو فرنسيس الأسيزي،

كي أهتدي الى الله.

لقد دلّني النمل اليه.

(معي دكتوراه في النمل).

تغريد

أجمل من الأغنية هو التغريد،

ثمّة يكون الاستدراج.

عندما تغرم أُنثى الطير فإنها تغرّد. 

تتزين بإيماءات جديدة عند اللقاء،

كما لو أنها فتاة تأخذ قليلاً من العطر قبيل التقاء صديقها.

عند التغريد تُجنُّ الأشجار

ولذا تُهلوس.

خلال غرام أنثى الطير، تهلوس الأشجار.

تفخر كونها اُختيرت لحفل موسيقي.

هذه الأشجار ستزهر وتفوح بعطر أكبر. 

قصيدة

الشعر يوجد داخل الكلمات

هذا كل ما أعرفه

قدَري أن لا أعرف أيّ شيء تقريباً.

إن لم تكن لديّ معرفة كبيرة

فلا صِلات لي بالواقع.

القويّ بالنسبة لي ليس من يكتشف الذهب

بل القوي هو من يكتشف 

ما هو طفيف (في العالم ولدينا نحن أنفسنا).

لمثل هذه الحكمة الصغيرة صرت مشهوراً كأبله.

تأثرت وبكيت.

استسلمت للثنَاء.

تغير

خلال نصوصي تغيّرتُ أكثر 

مما تغيرت خلال حياتي.

لغة

نداءٌ داخلي يقول إنني غير قادر على تعلّم اللغات.

أفهمُ النحل أفضل من الألمانية.

أُتقن الحشرات البدائية.

اللغة الوحيدة التي درستها بعزم هي البرتغالية

كي أتمكن من ارتكاب خطأ مناسب تماماً.

لغة هنود الغواتو مترقرقة: 

مثل نهر ينساب متقدما بين الحجارة.

لغة شعب الغواراني ثرثارة: 

بالنسبة لهم، 

الهفهفة في الكلمات 

أهم من المعنى

وحتى الحزن بتغريدات.

في لغة شعب الغوانا ثمة ظل، دائماً

من بحيرة، حيث هم يسكنون.

لكن هي لغة الصباح

في مصطلحاتها يسقط ضوءٌ من شمس طفولية.

أفهمُ أيضاً لغة الحجر دون أن نتحدث،

ما مِن لغة عداها تحتوي صمت الكلمات.

أجيد أيضاً لغة الطيور ـ المغرّدة فقط.

داء

لم يحدث أن عشت بعيداً عن بلدي

مع ذلك كنت أعاني من البعد.

في طفولتي مرضت أمي

وقد أورثتني ذلك.

لاحقاً ذهب أبي للعمل في مكان ما

وبدوره أعطى هذا الداء للناس.

كان مكاناً بدون اسم أو جيران.

أناس قالوا انه كان ظفراً في إصبع القدم عند نهاية العالم.

نشأنا بدون أي بيوت مجاورة أخرى.

كان مكاناً يُري فقط طيوراً، أشجاراً، نهراً وأسماكه. 

ثمّة أفراس طليقة في العشب المدعوك،

ظهورها مغطّاة بالفراشات.

وما تبقى كان، فقط، مدى.

مدى فارغاً حملناه في العين،

هو الذي دعاه أبي منفى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى